فهرس الكتاب

الصفحة 9753 من 27345

وعندنا أنه ليس رجل الشارع فقط بل هي الطبيعة الأعمق التي ترى في المسرح شيئًا معارضًا لفطرتها المستعلنة في البيان العربي بغير حاجة إلى هذه الأساليب المعقدة ويقول أن أعمق العوامل لمعارضتها للفطرة الإنسانية وللطبية الإسلامية أنها صورة وهمية ليست من واقع الحياة وأنها تستعمل النصوص التاريخية بغير أمانة ويرى أصحاب هذا الشأن يأسهم من نجاح هذه المحاولة، ذلك أن القالب الشكلي للمسرحية"أجنبي"من كل نواحيه إذ أنه نقل نقلًا (فوتغرافيًا) سريعًا من غير تمعن في المسرحية الغربية التي استوردناها مع كثير من النحل الغربية في أواسط القرن الماضي، وبالرغم من المحاولة التي جرت خلال أكثر من مائة سنة على استنبات المسرح في التربة العربية فقد بقيت المسرحية على قالبها: غريبة المذاق عن رجل الشارع.

ويقول زكي طليمات: أن من أبرز الأسباب التي تصرف الذعنية الإسلامية عن الأخذ بأسباب التعبير عن طريق المسرحية للدعاية والتفسير: هو أن العقيجة الإسلامية على وضوح أركانها وجلاء تعاليمها ومنطق أحكامها عقيدة لا يشوبها لبس ولا غموض يتطلبان تحايلًا في التفسير، فالواحدانية لا تقبل التأويل ولا تحتمل الشرك ولبس هناك أرباب ولا أنصاف أرباب كما هي الحال في الوثنية، كذلك لا توجد عقدة يتعذر فهمها إذ لا يوجد أب ولا ابن ولا روح قدس، كما هو الحال في العقيدة النصرانية، وشعائر الإسلام على بساطته غنية عن تقشف ظاهر فليس في حاجة إلى عازف يعزف على آلة موسيقية إذ منشد ينشد نداءات كهنوتية أو راقص يدور على نفسه، مثل هذه العقيدة القوية في معنوياتها البسيطة في شعائرها القائمة على مناهضة كل مظهر من مظاهر تعدد الأرباب وما يتصل به من فنون السحر لإحياء طقوسه ومناسكه، لا يمكن أن يتخصص عن فن تمثيلي.

فإذا أضفنا إلى ذلك أن العرب بطبيعة عقلهم ينظرون إلى الكليات عرفنا إلى أي مدى نجد التباين الضخم بين الأدب العربي والآداب الأجنبية في مجال القصة والمسرح، ومن ناحية أخرى فإن الصراع الماساوي أو الدرامي الذي هو عقدة المسرحية أو القصة لا يجد بينه طبيعية في إيمان المسلمين العرب ومعتقداتهم، ذلك أن البطل الماساوي هو في صراع دائم مع الآلهة والقدر، أما المسلم بحكم وحدانيته فإنه لا يستطيع أن يتصور صراعًا مع القدر والآلهة على نحو ما كان تصوره اليونان الذين يؤمنون بقوى متعددة ويؤمنون الحرب مع القدر وإن كانت آخرتها الهزيمة المؤسية فإنها حرب تدل على تجبر الإنسان.

إن الصراع مع الآلهة لا يستقيم أصلًا مع التوحيد، أما الإنسان المسلم فهو في سلام مع الله الواحد الأحد. ولاريب أن رؤيا العربي المسلم واضحة غير مغيبة ولا يشوبها سحاب من الغمام وليست بين بين، وليست في صراع مع الطبيعة وكل هذه الرؤى تنعمس في الأدب الإسلامي العربي وهي مضادة لرؤية الغربي.

ويقول الأستاذ علي أحمد باكثير: إذا لم يوجد المسرح عند العرب في جاهليتهم فأحرى ألا يوجد لديهم بعد الإسلام الذي قضى على تلك الوثنية وأعاد إليهم دين التوحيد كأصفى ما يكون، وتقديس الأشخاص من مظاهر الوثنية، والإسلام ينهى عن ذلك نهيًا تامًا مما أدى إلى عدم ظهور"الدراما"لألأن نشأة الدراما في عهودها الوثنية كانت قائمة على تقديس من كانوا ملوكًا أو أبطالًا ثم ألهوهم بعد وفاتهم.

ونقول: إن من أقوى عوامل التعارض بين مفهوم الفن في الإسلام وبين المسرح هو روح الإباحية الواضحة في الآداب اليونانية - حيث نشأ المسرح - والتي ورثها الأدب الغربي وهي مظاهر يصفها أنيس فريحة بأنها"تبلغ حد الفسق والعربدة ذات الطقوس، تحت شعار البغاء المقدس والذي يتضمن بيع النساء أجسادهن في أيام معدودات وشرائح وذبائح لعشتروت". هذه الصورة المقززة التي حاربتها الأديان وألغاها الإسلام إلغاء تامًا هي ثمرة الفنون المسرحية الغربية، هي تراث الأسطورة الذي تحاول أن تجدده المسرحية الغربية وهو بعيد كل البعد عن القيم التي قدمها الإسلام وحرر بها الإنسان من عبودية الوثن وعبودية الإباحية ورفعه إلى مستوى الكرامة، قد رفض العرب عندما ترجموا اليونانيات هذه الألوان من المسرحيات والملاحم. ولكن القوى الأجنبية استطاعت في العصر الحديث أن تزج بهذه السموم في الآداب العربية لتخلق ظاهرة القلق والتحلل التي ظهرت نتائجها في المجتمعات الإسلامية في العصر الحديث.

وبالجملة، فقد كانت هذه الفنون المختلفة ومنها القصة والمسرح دخيلة على الأدب العربي والفكر الإسلامي لأنها نتاج مجتمعات أخرى وقائمة على ظروف وأوضاع لم يتعرض لها المجتمع الإسلامي القائم على روح التوحيد الخالص والذي يعتبر الأخلاق جزءًا لا يتجزأ من العقيدة الدينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت