ويشتمل السفر.. على إعدادِ العُدَّة والتزوُّدِ والأخذِ بالأسبابِ واستِجماعِ الهمة، وقد ترجَمَ البخاري رحمه الله: [باب حَملِ الزادِ في الغزو وقول الله عزَّ وجل: (وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزاد التقوى) [58] ]، قال ابنُ حجر رحمه الله:"أشار بهذه الترجمة إلى أنَّ حَملَ الزادِ في السَّفر ليس مُنافِيًا للتوكُّل". [59]
ولكنْ.. لا يكفي المسافرَ هذا الزادُ الظاهر.. بل هو في أشدِّ الحاجة إلى التقوى.. ذلكم الزادُ الباطنُ المبارَك قال ابن القيم رحمه الله:"قوله: (وتزوَّدُوا فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى) [60] في ذِكْرِ الزادِ الظاهرِ الحسِّي والزادِ الباطِنِ المعنوي؛ فهذا زادُ سَفرِ الدنيا، وهذا زادُ سَفرِ الآخرة". [61]
فما من مُسافرٍ أخي الحبيب.. إلا وهو يحملُ من الزادِ ما يَكفِيه ويُغنِيه؛ فبأيِّ شيءٍ يا صاحِ استَعنتَ وبأيِّ زادٍ تزوَّدتَ؟ (ما عندَكم ينفد وما عند الله باق) . [62] (وما بكم من نعمةٍ فمِنَ الله ثم إذا مَسَّكم الضُّرُّ فإليه تجأرون) . [63]
إِنَّما الدُنيا مَتاعٌ زائِلٌ ** فَاقتَصِدْ فيهِ وَخُذْ مِنهُ وَدَعْ
لَيتَ شِعري ما تَزَوَّدتَ مِنَ **الزادِ يا هَذا لِهَولِ المُطََّلَعْ؟
يَومَ يَهديكَ مُحِبُّوكَ إِلى** ظُلمَةِ القَبرِ وَضِيقِ المُضْطَجَع [64]
أخي المسافر.. هل سألتَ نفسَك: أين ثِمارُ أسفارِنا علينا وعلى أُمَّتِنا؟ ومَن لنا بِمَن يُحيي فينا رُوحَ الهجرة وجَذوةَ الذِّكرى العَطِرة؛ فنَجِدَ لها في حياتِنا ومناهجِنا ثَمرةً وعِبرةً وللهِ دَرُّ ابن القيم حيث قال:
يا قومُ فَرْضُ الهجرتَيْن بِحالِهِ**والله لَم يُنسَخْ إلى ذا الآنِ
فالهجرةُ الأولى إلى الرحمنِ**بالإخلاصِ في سِرٍّ وفي إعلانِ
حتَّى يكون القصدُ وجهَ الله** بالأقوالِ والأعمالِ والإيمانِ
ويكون كلُّ الدينِ للرحمنِ ما ** لِسِواه شيءٌ فيه من إنسانِ
واللهِ هذا شَطرُ دينِ الله ** والتحكيمُ للمُختارِ شَطرٌ ثانِ
والهجرةُ الأخرى إلى المبعُوثِ** بالإسلام والإيمان والإحسانِ
أترون هذي هِجرةَ الأبدانِ لا** والله بلْ هي هِجرةُ الإيمان
8)السفر إلى الدارِ الآخرة:
ومن فوائدِ السَّفر يا صاح.. أنه يُذكِّرُ الغافِلين بالموتِ.. والرحلةِ الأبديةِ.. والبُعدِ عن الأحِبة وفراقِ الدنيا وأهلها ولا يكاد يفطنُ إلى أنَّ وراءَ هذه الرحلةِ رِحلةً أعظم إلا الموفَّقُون من المسافرين؛ ففي سَفَرِ هذا اليومِ وعَنائه ووَعْثائه عِبرةٌ لأهل الفِطنة بِسَفَرِ الغدِ وانقِضاءِ الدنيا:
إنَّ للهِ عبادًا فُطَنا ** طلَّقوا الدُّنيا وخافُوا الفِتَنا
نظروا فيها فلمَّا علِمُوا** أنَّها ليستْ لِحَيٍّ وَطَنا
جعلُوها لُجَّةً واتخذُوا**صالِحَ الأعمالِ فيها سُفُنا [65]
فليتنا أخي الحبيب.. كما تأهَّبْنا لهذا السفرِ القريبِ، نستعدُّ لذلك السفرِ البعيد الذي لا ندري مكانَه ولا زمانَه (وما تدري نَفسٌ ما تكسِبُ غدًا وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت إنَّ الله عليمٌ خبيرٌ) . [66] وتذكَّرْ أخي الحبيب.. قوافلَ المسافرين ومَن سبَقَك من الراحِلِين، ومَن مضى قبلَك مع الماضِين..
إلى متى اللَّهوُ والأحبابُ قد رَحَلُوا ** يا مَن بفانيةِ اللَّذّات يَشتَغِلُ
قد سافرُوا سَفَرًا جَدَّ المَسِيرُ بِهِمْ ** فيه فليسَ إلى رُجْعَاهُمُ أمَلُ
باللَّهِ يا راحِلًا نحو الأحبَّةِ سَلْ ** عنهمْ وسَلِّمْ عليهم بعد إِذْ تَصِلُ
وقلْ لَهُمْ إنَّنا عنكم أُسَارى أَسًى ** وعن قريبٍ إليكم نحنُ نرتَحِلُ [67]
وإنَّ هذه الأسفارَ لَتذكِّرُ المؤمن بفراقِ الدنيا ولقاءِ الأحبةِ، ولله درُّ البخاري فقد أنشدَ حين نُعِيَ إليه الحافظ الدارمي:
إنْ عِشْتَ تُفْجَعْ بالأحِبةِ كلِّهِم **وبَقاءُ نفسِك لا أبا لك أفجَعُ [68]
ورَحِم الله أمَّنا عائشة فقد كانت كلما ذكرَتْ أخاها عبدَ الرحمان رضي الله عنهما تَمثَّلَتْ بقولِ مُتمِّم بن نُوَيْرة يرثي أخاه مالكًا:
وكُنّا كَنَدْمانَيْ جُذَيْمةَ حِقْبَةً** من الدَّهرِ حتى قيل لن يتصدَّعا
فلما تفرَّقْنا كأنِّي ومالكًا ** لِطُولِ اجتِماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا [69]
ومن هنا كان تذكّرُ الموتِ من أقوى البواعِثِ على العُزوف عن الدنيا؛ لاسيما عند ذهاب الصالحين؛ وكأنما قصد البخاريُّ هذا المعنى في ترجمته البديعة في كتاب الرِّقاق: (باب ذهاب الصالحين) ، حيث أورد حديث مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حُثالةٌ كحُثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة) [70]
وقال الشاعر:
ألا أيها الموتُ الذي ليس تاركي ** أرِحْنِي فقد أفنَيتَ كلَّ خَلِيلِ
أراكَ بَصيرًا بالذين أَوَدُّهُمْ **كأنَّك تَنْحُو نَحْوَهُمْ بدليلِ
وقد روى مالك رحمه الله أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (ما أدري ما أنتم صانعون بعدي؟ فبكى أبو بكر ثم بكى؛ ثم قال: أئنّا لكائنون بعدك؟ ) [71]
وقد تمثّل الشعراء هذا المعنى، كما قال شرف الدين بن أبي عصرون: