أؤمّل أن أحيا وفي كل ساعةٍ **تمرّ بيَ الموتى يُهَزُّ نعوشُها
وهل أنا إلا مثلهم غير أنّ لي **بقايا ليالٍ في الزمان أعيشُها
وليت شعري.. من لم تُذَكِّرْه الأسفارُ بفراقِ الأهلِ والإخوانِ؛ فمتى يتذكَّرُ ويعتبر؟ فهذا والله غافلٌ عن الموتِ؛ وما أحسنَ قولَ الشاعر يرثي أخاه:
عَجَبًا يا عَمرو مِن غَفْلَتِنا ** والْمَنايا مُقبِلاتٌ عَنَقا [72]
قاصِداتٌ نَحوَنا مُسرِعةٌ ** يتَخلَّلْنَ إلينا الطُّرُقا
فإذا أذكُرُ فِقدانَ أخي ** أتقلَّبُ في فراشي أَرِقا
وأخي أيُّ أخٍ مثلُ أخي **قد جرى في كلِّ خَيرٍ سَبَقا [73]
وما أحسنَ ما قال بهاء الدين زهير: [74]
فَيا مَن غابَ عَنِّي وَهوَ رُوحي **وَكَيفَ أُطيقُ مِن رُوحي اِنفِكاكا
أَراكَ هَجَرتَنِي هَجرًا طَويلًا ** وَما عَوَّدتَني مِن قَبلُ ذاكا
عَهِدتُكَ لا تُطيقُ الصَبرَ عَنّي ** وَتَعصي في وِدادي مَن نَهاكا
فَكَيفَ تَغَيَّرَتْ تِلكَ السََّجايا ** وَمَن هَذا الَّذي عَنِّي ثَناكا
فَلا وَاللَهِ ما حاوَلتَ عُذرًا ** فَكُلُّ الناسِ يُعذَرُ ما خَلاكا
وَما فارَقْتَنِي طَوْعًا وَلَكِنْ ** دَهاكَ مِنَ الْمَنِيَّةِ ما دَهاكا
لَقَد حَكَمَتْ بِفُرقَتِنا اللَّيالي ** وَلَم يَكُ عَن رِضايَ وَلا رِضاكا
فَلَيتَكَ لَو بَقيتَ لِضُعفِ حالي ** وَكانَ الناسُ كُلُّهُمُ فِداكا
يَعِزُّ عَلَيَّ حينَ أُديرُ عَينِي ** أُفَتِّشُ في مَكانِكَ لا أَراكا
وَلَم أَرَ في سِواكَ وَلا أَراهُ ** شَمائِلَكَ المَليحَةَ أَو حِلاكا
خَتَمتُ عَلى وِدادِكَ في ضَميري ** وَلَيسَ يَزالُ مَختومًا هُناكا
أَرى الباكينَ فيكَ مَعي كَثيرًا ** وَلَيسَ كَمَن بَكى مَن قَد تَباكى
فَيا مَن قَد نَوى سَفَرًا بَعيدًا ** مَتَى قُلْ لي رُجُوعُكَ مِن نَواكا؟
فَيا قَبرَ الحَبيبِ وَدِدتُ أَنّي ** حَمَلتُ وَلَو عَلى عَيني ثَراكا
سقاك الغيثُ هتَّانًا وإلا ** فحَسبِي من دُموعي ما سقاكا
ولا زال السلامُ عليك منِّي ** يرفُّ مع النسيمِ على ذُراكا
ولله دَرُّ النَّسفي فقد ذَكرَ السَّفَرَ إلى الدارِ الآخرة وقابلَه بسَفرِ الحجِّ"وما فيه من تحمُّلِ الأثقالِ ورُكُوبِ الأهوالِ وخَلْعِ الأسبابِ وقطيعةِ الأصحابِ وهَجرِ البلادِ والأوطان وفرقة الأولاد والخِلاّن, والتنبيه على ما يستمرُّ عليه إذا انتقلَ من دارِ الفناءِ إلى دارِ البقاء؛ فالحاجُّ إذا دخلَ البادية لا يتَّكلُ فيها إلا على عَتادِه ولا يأكلُ إلا من زادِه, فكذلك المرءُ إذا خرجَ من شاطىءِ الحياةِ وركبَ بحرَ الوفاة لا ينفعُ وِحْدَتَه إلا ما سعَى في مَعاشِهِ لِمَعادِه, ولا يؤنِسُ وِحْشتَه إلا ما كان يأنَسُ به مِن أورادِه... والبيتُ الحرامُ الذي مَنْ دَخَلَهُ كان آمِنًا مِن الإيذاءِ والقتالِ أنموذجٌ لدارِ السلامِ التي مَنْ نزلَها بقيَ آمِنًا مِن الفناءِ والزوالِ غير أنّ الجنّة حُفَّتْ بمكارِهِ النفسِ العادِيَة كما أنّ الكعبةَ حُفَّتْ بمتالِفِ البادِية؛ فمرحبًا بمن جاوزَ مهالكَ البوادِي شوقًا إلى اللقاءِ يومَ التنادي" [75]
9)السفر والزهد في الدنيا: