فهرس الكتاب

الصفحة 9777 من 27345

وقد ضربَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مثلَ الزاهدِ في الدنيا كمثلِ المسافرِ الغريبِ وعابرِ السبيل المنقطِعِ عن أهلِه؛ فيالَه من تشبيهٍ بَليغٍ بَدِيع كما ترجَمَ البخاري رحمه الله في مطلعِ كتابِ (الرِّقاق) ـ بَعْدَ باب (ما جاء في الرِّقاق وأنْ لا عَيشَ إلا عَيشُ الآخرة) [76] ـ باب قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ) . [77] قال ابنُ حَجر رحمه الله:"قوله: (كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابِرُ سَبِيل ) قال الطيبي: ليست (أو) للشك بل للتخيير والإباحة، والأحسنُ أن تكونَ بمعنى (بَلْ) ؛ فشبَّهَ الناسِكَ السالِكَ بالغريب الذي ليس له مكانٌٌ يأويه ولا مَسكنٌ يسكنه، ثم ترقى وأضْرَبَ عنه إلى عابرِ السبيل؛ لأنَّ الغريبَ قد يسكنُ في بلدِ الغُربةِ بخلافِ عابرِ السبيلِ القاصدِ لِبَلدٍ شاسِعٍ وبينَهما أودِيةٌ مُردِيةٌ ومُفاوِزُ مُهلِكةٌ وقُطاعُ طَريق؛ فإنَّ مِن شأنِه أنْ لا يُقِيمَ لَحظةً ولا يَسكُنَ لَمحةً؛ ومِن ثَمَّ عقَّبَه بقولِه: (إذا أمسَيتَ فلا تَنتَظِر الصباحَ...) الخ، وبقوله: (وَعُدَّ نفسَك في أهلِ القبور) ، والمعنى: استَمِرَّ سائرًا ولا تغتَرَّ؛ فإنك إنْ قصَّرْتَ انقطَعْتَ وهلَكت في تلك الأودية ... وقال ابنُ بطال: لَمَّا كان الغريبُ قليلَ الانبِساطِ إلى الناسِ بل هو مُستَوْحِشٌ منهم؛ إذْ لا يكاد يَمُرُّ بِمَن يعرفُه مُستأنِسًا به؛ فهو ذليلٌ في نفسِه خائفٌ وكذلك عابرُ السبيل لا ينفذُ في سَفرِه إلا بقوتِه عليه وتخفيفِه من الأثقال غيرَ مُتثبِّتٍ بما يمنعُه مِن قَطعِ سَفرِه معه زادُه وراحِلتُه يُبلِّغانه إلى بُغْيَتِه مِن قَصدِه شبهه بهما، وفي ذلك إشارةٌ إلى إيثارِ الزُّهد في الدنيا وأخْذِ البُلغة منها والكَفافِ؛ فكما لا يحتاجُ المسافرُ إلى أكثرَ مما يُبلِّغُه إلى غايةِ سَفرِه فكذلك لا يحتاجُ المؤمنُ في الدنيا إلى أكثرَ مما يُبلِّغُه المحلَّ. وقال غيره: هذا الحديث أصلٌ في الحثِّ على الفراغِ عن الدنيا والزهدِ فيها والاحتقارِ لها والقناعةِ فيها بالبُلْغة. وقال النووي: معنى الحديث: لا تَرْكَنْ إلى الدنيا ولا تتخِذْها وَطَنًا، ولا تحدِّثْ نفسَك بالبقاءِ فيها، ولا تتعلَّقْ منها بما لا يتعلقُ به الغريبُ في غيرِ وَطنِه. وقال غيره: عابرُ السبيلِ هو المارُّ على الطريقِ طالبًا وَطنَه؛ فالمرءُ في الدنيا كعَبدٍ أرسلَه سيِّدُه في حاجةٍ إلى غيرِ بلد فشأنه أنْ يُبادِرَ بفِعلِ ما أُرسِلَ فيه ثم يعودُ إلى وَطنِه ولا يتعلقُ بشيءٍ غير ما هو فيه، وقال غيرُه: المرادُ أن يُنْزِلَ المؤمنُ نفسَه في الدنيا مَنْزِلةَ الغريبِ؛ فلا يُعَلِّقَ قلبُه بشيءٍ مِن بَلدِ الغُربة، بل قلبُه مُتعلِّقٌ بِوَطنِه الذي يَرجِعُ إليه ويجعلُ إقامتَه في الدنيا لِيَقضِيَ حاجتَه وجهازه للرجوع إلى وطنه؛ وهذا شأنُ الغريبِ، أو يكون كالمسافرِ لا يَستقرُّ في مكانٍ بِعَيْنِه بل هو دائمُ السَّيْرِ إلى بَلدِ الإقامة". [78]

فالسَّفرُ بهذا المعنى الجليل.. يُزّهِّدُ العبدَ في الدنيا ويُذكِّر المؤمنَ برَحِيلِه وسَفَرِ أحبابِه الذين ودَّعُوه ورَحَلُوا عنه؛ فلِسانُ حالِه:

هَبْنِي بَقِيتُ على الأيَّامِ والأبدِ **ونِلتُ ما شئتُ مِن مالٍ ومِن وَلدِ

مَنْ لي برؤيةِ مَنْ قد كُنتُ آلَفُهُمْ **وبالزمانِ الذي ولَّى فلم يَعُدِ؟

ولا يخفى أنَّ في سَلامِ الأحياءِ على الأمواتِ إشارةً إلى الاستِعدادِ للرَّحيلِ واليقينِ به: (السلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ من المؤمنين والمسلمين؛ وإنَّا إنْ شاء الله بكم لَلاحِقُون) [79] وقال صلى الله عليه وسلم: (كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبورِ فزورُوها؛ فإنَّها تُذكِّرُ الآخرة) [80] وقال صلى الله عليه وسلم: (أكْثِرُوا ذِكْرَ هاذمِ اللَّذَّات) [81]

ورَحِم الله ابنَ القيم حيث قال:"الذي أجمعَ عليه العارِفون: أنَّ الزُّهدَ سَفرُ القلبِ مِن وَطنِ الدنيا، وأخْذُهُ في مَنازلِ الآخرة؛ وعلى هذا صَنَّفَ المتقدِّمُون كُتُبَ الزهد: كالزهد لعبد الله بن المبارك وللإمام أحمد ولوكيع ولهناد بن السري ولغيرهم". [82]

ولله درُّ النوويِّ حيث قال:"إنها دارُ نفادٍ لا محلّ إخلاد، ومَرْكَبُ عُبورٍ لا منْزل حُبور ومَشْرَعُ انفصامٍ لا مَوطنَ دوام؛ فلهذا كان الأيقاظُ من أهلِها هم العُبَّاد وأعقلُ الناس فيها هم الزُّهَّاد... ولقد أحسنَ القائل:"

إنَّ لله عِبادًا فُطَنًا ** طلَّقوا الدُّنيا وخافُوا الفِتَنا

نظرُوا فيها فلمَّا عَلِمُوا **أنَّها ليستْ لِحَيٍّ وَطَنا

جَعلُوها لُجَّةً واتَّخَذوا ** صالِحَ الأعمالِ فيها سُفُنا" [83] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت