فهرس الكتاب

الصفحة 9778 من 27345

وهذا السفرُ ـ الذي هو زهدُ العبدِ في الدنيا ـ عَلامةُ سلامةِ القلب، كما قال ابنُ القيِّم رحمه الله:"القلبُ الصحيحُ يُؤْثِرُ النافِعَ الشافِيَ على الضارِّ المؤذِي، والقلبُ المريض بضد ذلك... ومن علاماتِ صِحَّتِه أيضا: أنْ يرتحلَ عن الدنيا حتى ينْزِلَ بالآخرة ويحلَّ فيها حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها جاء إلى هذه الدار غريبًا يأخذ منها حاجتَه ويعودُ إلى وَطنِه، كما قال عليه السلام لعبد الله بن عمر:(كُنْ في الدنيا كأنك غَريبٌ أو عابرُ سَبيلٍ، وعُدَّ نفسَك من أهل القبور:"

فحَيِّ على جناتِ عَدنٍ فإنَّها** مَنازِلُك الأُولَى وفيها الْمُخَيَّمُ

ولكنَّنا سَبْيُ العَدُوِّ فهل تُرى** نعودُ إلى أوطانِنا ونُسَلَّمُ

قال ابنُ أبي طالب رضي الله عنه: إنَّ الدنيا قد ترحَّلَتْ مُدبِرةً وإنَّ الآخرة قد ترحَّلَتْ مُقْبِلةً ولكلٍّ منهما بَنُونَ؛ فكونوا من أبناءِ الآخرةِ ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإنَّ اليومَ عَملٌ ولا حسابٌ، وغدا حِسابٌ ولا عَمل) . وكلما عُوفِيَ القلبُ من مَرَضِه ترحَّلَ إلى الآخرةِ وقَرُبَ منها؛ حتى يَصِيرَ مِن أهلِها، وكلما مَرِضَ القلبُ واعتلَّ آثرَ الدنيا واستوْطَنَها؛ حتى يصيرَ من أهلها". [84] "

10)السفر والشوق إلى لقاء الله عزَّ وجل:

فالسَّفرُ.. يُشوِّقُ العبدَ الصالِحَ إلى لقاءِ ربِّه الوَدُودِ الرؤوفِ الرحيمِ اللطيفِ الخبير؛ فقد وَعَدَ الله عزَّ وجلَّ عِبادَه بلقائه جلَّ جلاله، فقال الله عزَّ وجل: (من كان يرجُو لقاءَ الله فإنَّ أجلَ الله لآتٍ وهو السميع العليم) ، [85] قال بعضُ العارفين:"لَما عَلِمَ الله شوقَ الْمُحِبِّين إلى لقائه ضرَبَ لهم مَوعِدًا لِلقاءٍ تَسكُنُ به قُلُوبُهم". [86]

قال السعدي رحمه الله:"يعني: يا أيها المحبُّ لربِّه المشتاقُ لقربِه ولقائه المسارعُ في مرتضاته أبْشِرْ بِقُربِ لقاءِ الحبيب؛ فإنه آتٍ وكل ما هو آت قريب؛ فتزوَّدْ للقائه وسِرْ نحوَه مُستصحِبًا الرجاءَ مؤملا الوصولَ إليه ولكنْ ما كلُّ من يدَّعي يُعطَى بدعواه، ولا كلُّ مَن تمنَّى يُعطَى ما تَمناه؛ فإنَّ الله سميعٌ للأصوات عليمٌ بالنيات؛ فمن كان صادقًا في ذلك أناله ما يرجُو، ومَن كان كاذبًا لم تنفَعْه دعواهُ وهو العليمُ بِمَن يصلحُ لِحُبِّه ومن لا يصلح" [87]

وقال ابن القيم رحمه الله:"من منازل (إياك نعبد وإياك نستعين) منزلة الشوق، قال الله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) . [88] قيل: هذا تعزيةٌ للمشتاقين وتسليةٌ لهم: أي أنا أعلم أنَّ مَن كان يرجو لقائي فهو مُشتاقٌ إلي؛ فقد أجَّلتُ له أجلا يكون عن قريبٍ؛ فإنه آتٍ لا محالة وكلُّ آتٍ قريب. وفيه لطيفةٌ أخرى وهي تعليلُ المشتاقِين برجاءِ اللقاء:"

لولا التعلُّلُ بالرَّجاءِ لقُطِّعَت ** نفسُ المحب صَبابةً وتشوقا

ولقد يكاد يذوبُ مِنهُ قلبُه ** مِما يُقاسي حَسْرةً وتحرُّقًا

حتى إذا رَوْحُ الرجاءِ أصابَه **سَكَنَ الحريقُ إذا تعلَّلَ باللِّقا

وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (أسألك لذةَ النظرِ إلى وجهِك والشوقَ إلى لقائك) ". [89] "

فالمسافرُ الحقُّ يشتاق إلى رحمةِ الله وجِوارِه، كما روى البخاري رحمه الله في كتاب (الرقاق) عن أبي قتادة رضي الله عنه (أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجنازةٍ، فقال: مُستَريحٌ ومُستراحٌ منه... العَبدُ المؤمنُ يستريحُ من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رَحْمةِ الله عزَّ وجل، والعَبدُ الفاجِرُ يستريحُ منه العِبادُ والبِلادُ والشَّجرُ والدَّوابُّ) [90]

وللهِ درُّ التهامي؛ فقد وُفِّقَ إلى التعبيرِ عن هذا المعنى في رثاءِ ولده فقال:

أبكِيهِ ثم أقولُ مُعتذِرًا له ** وُفِّقْتَ حين تركْتَ أَلأَمَ دارِ

جاوَرتُ أعدائي وجاوَرَ ربَّهُ ** شتَّانَ بين جِوارِه وجِواري

ورَحِم الله ابن القيم حيث قال:"الشوقُ: هو سَفرُ القلبِ إلى المحبوبِ أحثَّ السَّفر". [91] "فإذا وَصلَ إليه انتهى السفر:"

وألقَتْ عصاها واستقرَّ بِها النوى كما قرَّ عينًا بالإيابِ المسافِرُ" [92] "

و"إذا كان الشَّوقُ هو سَفرَ القلبِ في طَلبِ محبوبِه ونُزُوعَه إليه؛ فهو مِن أشرفِ مَقاماتِ العَبِيدِ وأجلِّها وأعْلاها ومَن أنكرَ شوقَ العَبدِ إلى ربِّه فقد أنْكَرَ محبتَه له؛ لأنَّ المحبةَ تستَلزمُ الشوق؛ فالمحبُّ دائما مُشتاقٌ إلى لقاءِ محبوبِه لا يهدأ قلبُه وقرارُه إلا بالوُصُولِ إليه". [93]

ومن ألطفِ قصص الصالحين في تَذكُّرِ القُدُوم على الله بقُدومٍ غائب مِن سفرِهِ أنه"كانت عَجوزٌ مُغِيبَة، [94] فقَدِمَ غائبُها من السَّفر؛ ففرِحَ به أهلُه وأقاربُه، وقَعدَتْ هي تبكي فقيل لها: ما يُبكيك؟ فقالت: ذكَّرَنِي قدُومُ هذا الفتى يومَ القُدومِ على الله عزَّ وجل:"

يا مَن شكا شَوقَه مِن طُولِ فُرْقَتِه **اصْبِرْ لعلَّك تلقَى مَن تُحِبُّ غدا" [95] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت