الأول: الخلط بين الحادثة المفردة والحكم العام
وفي الصحيح - قصة حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- المشهورة وكتابه لزعماء قريش؛ يخبرهم بمسير النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم - فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، فَدَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ .
قَالَ:فَقَالَ « يَا عُمَرُ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ » .
قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
فهذه حادثة فردية في حياة حاطب فعلها لحاجة في نفسه فعامله الصحابة على تعميم المفرد لكن أحكم الخلق -صلى الله عليه وسلم- وأعلمهم بالنفوس ومداواتها لم يعمم ولم يؤاخذه على أنه جاسوس خائن وأنه وهب حياته لذلك بل كمفردة في حياته سرعان ما تخلص منها وحفظ له سابقته في الإسلام ومقامه وجهاده .
-وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر لما سابب رجلا وعيره بأمه:
« إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ » . قال أبو ذر: عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ قَالَ: « نَعَمْ .. » .
فلم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنت امرؤ جاهلي فهذه فعلة مفردة لا تعمم على حياة الشخص ولا تسقط مقامه وسابقته. وأبو ذر لم يفعل هذا لثورة شبابه أو لأنه حديث عهد بإسلام بل وهو كبير السن صاحب مقام كبير وشأو واسع.
ولهذا قال شيخ الإسلام بن تيمية- في اقتضاء الصراط- معقبًا على هذا الحديث:
"وفيه أن الرجل مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه"فحمل المفرد على العام بإطلاق ليس من الصواب ويجب الحذر منه فهو من آفات الفهم وأسبابه.
وينبغي لطلبة العلم ألا ينساقوا وراء الأحكام العامة وسحبها على الأشخاص والجماعات والقبائل بل حتى أحيانا على الشعوب.
وكم عانينا ممن اتهم أئمة كبارًا كأمثال ابن حجر والنووي رحمهما الله بقوله:"جهمي.. جلد... معطل... تحرق كتبهم كالفتح وشرح مسلم..."
وما ذاك إلا أنه وقع في بعض المواضع على بعض التأويلات التي اجتهدوا فيها والذين هم فيها بين أجر وأجرين فحشرهم مع الجهمية والمعتزلة وغيرهم ولم يفرق بين من انطلق في كلامه من أصول منحرفة وبين مَن هو على السنة ووافق بعض الفرق بمحض اجتهاد في بعض الآراء فجاءت المشكلة من سحب المفرد على العام فخسرنا كثيرًا.
الثاني: الخلط بين الفكرة المحددة والانطباع
والفكرة لها نماذج وشروط وسياقات أما الانطباع فهو الأثر النفسي الذي يحدثه الكلام في السامع .
وفي قصة أسيد بن حضير وعباد بن بشر -كما في مسلم-:
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ » . فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالاَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا. أفَلاَ نُجَامِعُهُنَّ !!
فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا.
فقولهم: أفَلاَ نُجَامِعُهُنَّ . هو نتيجة الانطباع. وكثيرًا ما نخلط بين الفكرة وبين انطباعاتنا ونتصرف بإملاء الأخير فينشأ سوء الفهم ومعضلاته.
الثالث: عدم القدرة على الاستيعاب.
وقديمًا قيل:
إِذا لَم تَستَطِع شَيئًا فَدَعهُ
وَجاوِزْهُ إِلى ما تَستَطيعُ
وقيل:
وَكَم مِن عائِبٍ قَولًا صَحيحًا
وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ
وهذا يتوقف على المرسل والمستقبل والموضوع, والناس عقولهم كالأوعية تتفاوت تفاوتًا عجيبًا في التلقي والاستقبال.
تجد من يملك قدرة على فهم دقائق المسائل وشواردها علمية كانت أو فلسفية أو غيرها من أول مرة؛ بينما تجد آخر لا يستطيع أن يفهم إلا الأمور العملية البدهية. وليس عدلا أن يكون نقص الفهم سببًا في رفض الأشياء وتفنيدها؛ فالسذاجة والبساطة ليست أبدًا عنوان الحقيقة.