ومن رحمة الله عز وجل بالأمة أن مهمات الإسلام وكلياته وأصوله الكبار في غاية السهولة في الفهم والتطبيق, ولا تحتاج إلى جهابذة أو أفذاذ وأنماط معينة من العقول, كالشهادتين والصلاة والزكاة والحج ...
وينبغي العناية بمثل هذا لأنه محل اجتماع مع شدة الحاجة والضرورة الملحة إليها؛ ففيه السلامة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
أما المرسل أو المتحدث فقد يكون لا يُبِين, أو لا يُفهِم, غامضًا في طرحه وعبارته, خطابيًا مسترسلًا مما يولد انطباعًا غير ما يريد هو. وبعض الناس إذا لم يرق له الكلام أو لم يوافق ما يريد قال: فيه عموم, أو إجمال, أو غموض, وهو يقصد أنه لم يأت على ما في نفسه أو لم يوافق رأيه, وكثيرًا ما يعامل الطلاب أو المريدون أقوال ونصوص إمامهم كأنها وحي, ولعل المتتبع لمقلدي الأئمة السابقين واللاحقين يرى غرائب من ذلك...
ثم يأتي دور طبيعة الموضوع فمن تكلم عن مسألة عامة ليس كمن في معضلة كلامية, والحديث الديني غير السياسي.
ومن هنا جاء اهتمام العلماء بالفروق, بل ألفوا فيها كتبا, ككتاب"الفروق"للقرافي. فقد تسمع الكلمة فيتبادر إليك معنى هي أبعد ما تكون عنه.
الرابع: التحيّز
والمقصود به الهوى: ( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ) ، ويفترض أن يخلو القلب من المسبقات لكي يفهم فهمًا صحيحًا.
فمن قرأ القرآن وفي قلبه هوى؛ ربما يحوز معاني القرآن بهواه.
فالخارجي الذي يقرأ قوله تعالى: (فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى) يقول: النار لا يدخلها إلا الكافرون, فكل من دخل النار فهو كافر, فيكفر عصاة المسلمين!
ولذلك قال تعالى: ( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ) .
فالتحيز والهوى والزيغ يحرم الإنسان من خير كثير, وهو من مشكلات الفهم. والله أعلم.