صِيغَ القرآن بلغة عربية صرفة، بقواعدها ومعارفها التي تخضع لها أحرف لغة الضاد من الألف إلى الياء. تجسد القرآن في ثلاثين جزءًا، مفصلة في مئة وأربع عشرة سورة، مؤلفة من ستة آلاف ومئتين وستّ وثلاثين آية، كثيرٌ من آياته أكبر حجمًا من أقصر سوره.
توجه النبي الكريم محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى مناوئيه ممن أتقن اللغة العربية وأجادها شعرًا ونثرًا على نحو بارز بلغ فيها العرب ذروة القمة، على النحو الذي بلغه سحرة فرعون في فن السحر، وقوم عيسى عليه السلام في الطب. تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن الكريم"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا"الإسراء 88. طلب أن يأتوا ببعض سور فقط إمعانًا في التحدي وإظهارًا لقوته"أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين"َ هود 13. طالبهم بأن يأتوا بأقل ما يمكن أن يقع فيه التحدي، أي سورة واحدة"أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"يونس 38، أكد هذا التحدي وكرره مجددًا في قوله"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"البقرة 23
لم يكن بإمكان قريش تجاهل التحدي بحال، ذلك أنَّ القرآن الكريم يمثل الركن الأساس في إثبات صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالة الإسلام، تلك التي تتضمن عقائد وشرائع مثلت منهج حياة جديد، صدمت المجتمع الجاهلي في مكوناته الأساسية، أصابته في صميمه بشكلٍ حاد على نحو يؤثر في قلب الأوضاع رأسًا على عقب، عقائديا وسياسيًا واقتصاديا واجتماعيا. استجاب سادة مكة للتحدي، حاولوا عبثًا وباؤوا بالفشل، ما أدى إلى ترك المحاججة باللسان والانتقال إلى مقاومة دعوة الإسلام بعنف وشراسة.
حاولوا سحق دعوة الإسلام، مارسوا القتل والتعذيب والنفي والحصار للقضاء على دعوة اقتصرت ثلاثة عشر عامًا على الصدع بالكلمة والتحدي بسورة واحدة، من غير سلاح ولا ثورة و لا عنف. هكذا تغلبت كلمات القرآن الجليلات عليهم، مع أنها تتشكل من حروفهم الهجائية وباللغة التي يفهمونها ويعظمون شأنها ويُجلون مكانتها ويعون خباياها ويعلقون روائعها في جوف الكعبة. ازدادت الدعوة الإسلامية صلابة واكتسبت أنصارا جددا، فأسقط في أيدي طواغيت مكة، فازدادوا شراسة. تآمروا على النبي الكريم وأحكموا خطة لقتله وزاد تنكيلهم بأتباعه، مع أنهم كان يكفيهم الإتيان بسورة، لو فعلوا، لَكُفُوا معها همََّ الإسلام إلى الأبد، ولكن أنّى لهم ذلك (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) الأحقاف 2.
بمنتهى البساطة، كان ولا يزال يكفي الإتيان بسورة واحدة من مثل ما سطره القرآن الكريم حتى تبطل دعوة الإسلام. وما يجدر ذكره أنه لا حاجة لمن قبل التحدي أن يأتي بمثل سورة البقرة، التي يبلغ عدد كلماتها 6144، بل يكفيه الإتيان بمثل سورة الكوثر، التي تتكون من ثلاث آيات، تتشكل من عشر كلمات فقط لا غير. نعم، جملة واحدة، أقل من سطر واحد، كانت ولا تزال تكفي أرباب النثر والشعر من خصوم هذا الدين لطي صفحة الإسلام نهائيًًا.
إلا أن هذا لم يحدث ولن يحدث لسبب جوهري، فالقرآن كلام الله تعالى وليس من لدن أحد من البشر، تم نظم درره على نحو فريد بديع، جعل الوليد بن المغيرة ألد أعداء النبي الكريم يصفه قائلًا:""والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو وما يعلى"."
ولعلَّ قائلًا يجادل: لو افترضنا الإعجاز في القرآن، لانحصر إدراكه في العرب، لأنهم يستطيعون تذوق اللغة ويعون خباياها، فيتمكنون بذلك من إدراك أوجه الإعجاز في القرآن، ولا ينطبق هذا على غير العرب، فكيف يعتبر القرآن حجة على العالمين تلزمهم اعتناق الإسلام!؟