إنَّ الصلة بين الدين والعلم لم تكن متشابهةً في كل مكان وعصر. والواقع أن كتب الديانات التوحيدية تخلو كلها مما قد يحمل على أنه إدانة للعلم . غير أننا - من الوجهة العلمية - نرى أن رجال العلم كانوا يخاصمون السلطات الروحية لبعض الديانات ، وأن السلطات المسيحية المسؤولة لم تقف من تطور العلم موقف المنازعة ، وذلك طوال قرون عديدة ومن غير أن يكون لها سند من نصوص الكتب السماوية الصحيحة ، وقد اتخذت هذه السلطات في حق رجال العلم الذين كانوا يسعون في سبيل التقدم التدابير التي نعرفها ، فكانت تنفيهم من الأرض أو تحرقهم بالنار إذا لم يقبلوا دفع غرامة مع الرجوع في مواقفهم والتماس الغفران ، وكثيرًا ما تذكر في هذا المقام محاكمة"غاليليو"الذي اُضطُهِدَ بسبب أخذه بمكتشفات"كوبيرنيك"في مسألة دوران الأرض ، وقد صدر عليه الحكم استنادًا إلى تأويلات خاطئة للتوراة والإنجيل .
أما الإسلام ، فإن موقفه من العلم كان ، بصفة عامة ، مغايرًا لما سبق ذكره ولا أدلَّ على ذلك من هذا الحديث النبوي المشهور:"طلب العلم فريضة على كل مسلم" (1) .
ومن الحقائق الرئيسة أن القرآن الكريم ، الذي يدعو دائمًا إلى التَّزود بالعلم يزخر بالعديد من التأملات حول الظواهر الطبيعية ، المشفوعة بتفاصيل توضيحية توافق تمام الموافقة معطيات العلم الحديث ، ولا شبيه لذلك في التوراة والإنجيل .
ثم يتصدى الدكتور (بوكاي) لأخطاء بعض مفسري القرآن الكريم - فيرى أن بعض مفسري القرآن الكريم (بما فيهم أولئك الذين عاصروا عهود الحضارة الاسلامية الزاهرة) قد وقعوا ، عبر العصور في أخطاء حين تفسيرهم لبعض الآيات التي لم يكن في وسعهم أن يدركوا معناها الدقيق ، ولم يعط لهذه الآيات تفسيرها الصحيح إلاّ في عهود متأخرة قريبة من عصرنا هذا .
ويترتب على هذا أن المعارف اللغوية لاتكفى وحدها لفهم تلك الآيات القرآنية ، بل لا بدَّ للمفسر من أن يكون محيطًا بمعارف علمية متنوعة جدًا ، إذ أن هذا النوع من الدراسة يكتسي طابعًا موسوعيًا شاملًا، وكلما مضينا قدمًا في مطالعة المسائل التي يعرضها القرآن الكريم يتضح لنا جليًا أنه لابدَّ من الإحاطة بعديد من المعارف القرآنية لاستيعاب معنى بعض آيات الكتاب .
إن القرآن العظيم لايهدف - كما هو معلوم - إلى إثبات بعض النواميس التي تتحكم في الكون، ذلك أن مقاصده الجوهرية دينية ، وهو إذْ يتحدث عن القدرة الإلهية فإنه يدعو الناس إلى التدبَّر في ملكوته وفيما أبدعه الله من أكوان ، وتتخلل هذه الدعوة الإلهية اشاراتٌ إلى وقائع يمكن أن يدركها البشر بالملاحظة ، أو قوانين سنَّها بقدرته الإلهية وجعل نظام العالم خاضعًا لها ، وذلك في مجال علوم الطبيعة وفيما يتصل بالإنسان نفسه . وبعض هذه الإشارات لايعسر فهمها ، إلاّ أن البعض الآخر لايمكن إدراك معناه إلاّ إذا توافرت المعارف العلمية الضرورية لذلك ، وهذا يعنى أن إنسان القرون الماضية لم يكن في مقدوره أن يفقه من تلك الإشارات إلاّ معناها الظاهري ، وذلك ما جعله في بعض الأحوال يستخلص نتائج غير صحيحة بسبب نقصان علمه في عصره .
ثم يقول بوكاي:
وقد محَّصت القرآن الكريم باحثًا عما إذا كانت فيه إشارات إلى ظواهر لا تعسر على الفهم البشري حتى ولو لم يكن العلم الحديث أثبتها ، وأعتقد أنني من هذه الناحية قد وجدت في القرآن الكريم إشارات إلى وجود كواكب في الكون تشبه الكوكب الأرضي ، ويجب القول إن عددًا من العلماء يعتبرون ذلك محتملًا جدًا ولو أن المعطيات الحديثة لا تستطيع أن تقطع فيه باليقين ، وقد رأيت من واجبي أن أعرض لذلك ذلك مع التحفظ الذي يقتضيه الحال .
"ولما كنت قد شرعت في هذه الدراسة منذ نحو ثلاثين عامًا ، فقد كان ينبغي أن أضيف إلى ما سبق ذكره في علم الفلك: مسألة أخرى أشار إليها القرآن العظيم ، وأعني بذلك غزو الفضاء ، وقد كان الناس يرون وقت شروعي في هذه الدراسة وعقب إجراء أولى تجارب إرسال الصواريخ الفضائية - أن الإنسان قد يتاح له من الإمكانات المادية ما قد يجعله يرتاد في يوم الفضاء بعيدًا عن محيط الكرة الأرضية ، وكانوا يعلمون إذ ذاك بوجود آية قرآنية جليلة تقول بأن الإنسان سوف يحقق يومًا هذا الغزو الفضائي ، وها قد تم اليوم تحقيق ذلك ."
* قلت: تختلف مع (بوكاي) في فهمه لآيات سورة الرحمن حول اختراق الفضاء ، بالآيات المشار إليها لا تعني ذلك . وقد أوضحنا وجهة نظرنا مفصلة في كتابنا (القرآن كتاب أحكمت آياته) الجزء/3 صفحة 56.