والاستغفار باب واسع لتكفير الذنوب وأمر حضَّ اللهُ تعالى عليه في القرءان الكريم. والاستغفار معناهُ طلب المغفرة، والمغفرة هي الوقاية مما توعد اللهُ عبده المذنب من عذاب وكذلك طلب سترها في الآخرة.
وقد كثر في القرءان ذكر الاستغفار، فتارة يأمر به كقوله تعالى: {واستغفروا اللهَ إن اللهَ غفور رحيم} (سورة المزمل/20) وقال تعالى: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} (سورة هود/90) وتارة يمدحُ اللهُ عبادَه المستغفرين كقوله: {والمستغفرين بالأسحار} (سورة ءال عمران/17) وقوله تعالى: {ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا} (سورة النساء/110) .
وقول المؤمن: أستغفر الله، معناهُ أطلبُ مغفرة الله، ولفظ"أستغفر الله"يصلح أن يكون خبرًا لما يفعله الإنسان من طلب الغفران ويصلح إنشاء على معنى السؤال كما أورد ابن منظور في كتاب"لسان العرب"في مادة (غفر) أن سيبويه أنشد:
أستغفرُ اللهَ ذنبًا لست محصيه * رب العباد إليه القول والعمل
وقد جاء في القرءان في قوله تعالى: {ولو أنَّهم إذ ظلموا أنفسَهم جاءوكَ فاستغفروا اللهَ واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللهَ توابًا رحيمًا} (سورة النساء/64) فلا فرق في اللفظ بين (أستغفر الله) أو قول القائل (غفرانك) أو (رب اغفر لي) أو (ربنا اغفر لنا) .
وروى البيهقيّ والحاكم عن ابن مسعودٍ رضي اللهُ عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَن قال أستغفرُ اللهَ الذي إلهَ إلاّ هو الحيّ القيوم وأتوب إليهِ ثلاثًا غفرت ذنوبه وإن كان فارًّا من الزحف"أي فرّ هاربًا من القتالِ لغير عذرٍ وهو من الكبائر. وروى النسائيّ عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّي لأستغفرُ اللهَ عز وجلَّ وأتوبُ إليهِ في اليومِ مائة مرة"وروى أبو داود والترمذيّ وغيرهما عن ابن عمرَ رضي اللهُ عنهما قال: كنا لنعدّ لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول:"ربّ اغفر لي وارحمني وتب عليّ إنَّك أنت التوابُ الرحيم"بقدر مائة مرة.
والمسلمونَ اعتادوا وتعلموا من السنّة أن يقولوا: أستغفرُ اللهَ، عقبَ الصلوات، وفي الليل والنهار وتناقلوا هذا اللفظ جيلًا بعد جيل، إلا أنّه في عصرنا هذا كتب بعض الكتاب في مجلة يسمونها"الأمان"لا يأمن قارئها أن يسلمَ في دينِه إلا من رحم اللهُ، يقول هذا المدّعي فيها:"من يقول: أستغفر الله ويريدُ بذلك الدعاء فقط أخطأ الاستغفار"وهاك عبارته بالنصّ:"إنّ صيغةَ الاستغفار التي يمارسها الناسُ والمسلمون على وجه الخصوص بقولهم أستغفر الله هذه الصيغة لا تعني الاستغفار بحال"ثم يزعم قائلًا:"لا تصحّ صيغة الاستغفار إلا قول: رب اغفر لي، أو ربنا اغفر لنا أو غفرانك"ويقول هذا المدعي:"كل ما عدا هذه الصيغ فهو كلام أقلّ ما يقال فيهِ إنّه المكاء والتصدية. وما استعمال صيغة أستغفر الله إلا دليل جهل من قبل المستغفر لا أصل له في القرءانِ والسنة"انتهى كلامه من مجلة"الأمان".
وإنا نعوذُ باللهِ من إنسانٍ جعل قول"أستغفر الله"أشبه بالمكاء والتصدية الذي كان المشركون يفعلونه بالجاهلية من التصفيق والتصفير ليشوشوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء صلاتِه في البيت، فأي كان هذا الذي يجعل الاستغفار من المسلم كفعل الجاهلي الكافر!!!
وكم هي كثيرة ألفاظ الاستغفار في كتب الحديث ولو بسطنا القول في ذلك لما وسع المقال، ويكفيك دليلًا ما ذكره النووي في"الأذكار"أنه يستحبّ عند الاستسقاء أن يقال: اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، وروى مسلم أن الأوزاعي رضي الله عنه سئل كيف الاستغفار قال: نقول أستغفر الله أستغفر الله. وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله خطبة الحاجة وفيها: الحمد لله نستعينه ونستغفره.. الحديث، وفي الحديث الذي نص الحافظ ابن حجر رحمه الله في أماليه على صحته عن عبد الله بن عمر قال:"كنا نعد لرسول الله في المجلس الواحد مائة مرة أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه"، فيكفي هذا وما سبق حتى يرجع حزب الإخوان عن تشبيه المستغفر بالجاهلي المكاء المصفق، وليستحوا من الله.
* لا أصل لما يقال إن الأمم السابقة كانت تدخل في الإسلام بقول أستغفر الله.
الرد: أولًا معنى الاستغفار هو طلب المغفرة من الله والهمزة والسين والتاء تسمى في اللغة أحرف الطلب، فقول الله تعالى في سورة نوح حكاية عن نبيّ الله نوح عليه السلام {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا} المعنى اطلبوا المغفرة من الله بدخولكم الإسلام وليس بمجرد قولكم أستغفروا الله وكذلك الآية حكاية عن سيدنا عيسى عليه السلام {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} الآية [سورة المائدة/118] . أي وإن تغفر لهم بدخولهم في الإسلام.