فهرس الكتاب

الصفحة 14438 من 27345

وإذا أحصينا هذه الأجناس والفنون المختلفة وجدنا أن أقلها ما ترجم في ميدان العلوم والتكنولوجيا التي هي المادة الوحيدة التي نحن في حاجة إلى نقلها من الفكر الغربي، وبالرغم من ذلك فلا تزال القيود تقيد خطوة الفكر الإسلامي فيها فلال يزال مفروضًا على الكليات العلمية (الهندسة والطب والعلوم والزراعة) أن تخضع للمصطلحات الغربية ونتعامل معها مع أن أساس النهضة الحقة أن تنقل العلوم التجريبية إلى أحضان اللغة العربية أساسًا حتى يمكن أن يقوم الانبعاث على أساس مفهوم الإسلام نفسه للعلم وليس على أساس مفهوم الغرب الذي يتمثل الآن في الاستعلاء العنصري والتهديد الذري، والصراع بين المعسكرين، والحيلولة دون تمكن المسلمين والعرب من الحصول على التكنولوجيا سواء العامة أم العسكرية والحربية - وغاية ما يقال في هذا الصدد أن معركة الترجمة لم تبدأ من منهج صحيح مدروس ينظم مدى ما نحتاجه وما لسنا في حاجة إليه، وإنما أخذ التغريب والغزو الثقافي المبادرة ومضى يقدم لنا على مدى قرن كامل نتاجًا سيئًا غاية السوء، قوامه ترجمة القصة المكشوفة الأجنبية والتراث اليوناني الوثني، والمفاهيم الماديوة والإباحية في مجالات النفس والاجتماع والأخلاق والتربية ومن الأسف أن هذا الآثار قد قدمت لنا على أنها"علوم أصيلة"وليست"فروضًا قابلة للخطأ والصواب"أو وجهات نظر تمثل أممها وأصحابها ولم تسبق هذه الدراسات أن تلحق بما يكشف أمام القارئ العربي والمسلم مكانها من فكر أمتها و موقفنا كفكر له منهج متكامل جامع منها، وبذلك زيفت هذه الترجمات كثيرًا من العقول وأفسدت كثيرًا من النفوس وخلقت أجيالًا مضطربة لأنها استطاعت أن تقرأ الفكر الغربي القائم على عقائد ومفاهيم وقيم وأيديولوجيات، على أنه"علم غير قابل للنقض"بينما لم يكن ذلك إلا مجموعة من الفرضيات القابلة للخطأ والصواب والتي تختلف بل ربما تتعارض مع فكرنا الإسلامي العربي، وكان القائمون على هذه الأعمال في الأغلب من خصوم هذه الأمة وفكرها ومن الراغبين إلى: اتخاذ سلاح الترجمة سبيلًا إلى هدم هذه المقومات.

وفي نفس الوقت الذي حجبت حركة الترجمة ما يحتاج إليه المسلمون في هذا قالعصر من مجالات العلوم التجريبية والطبيعية والرياضية وغيرها، فقد طرح في أفق الترجمات ركامًا مضطربًا عاصفًا يرمي إلى هدم ذلك الحائط النفسي المرتفع القائم في النفس المسلمة بالحق والتقوى والكرامة والفضيلة والعفاف هذا الركام يصور الإباحيات الجنسية على أنها شرعة المجتمع المباحة كما يصور الجريمة على أنها ظاهرة طبيعية ويصل تأثير هذه المترجمات المسمومة إلى جميع مؤثرات العقائد والأخلاق والاجتماع، من حيث وجود تباين واضح وخلاف عميق بيثن مفاهيم الغرب ومفاهيم الإسلام حيث تقوم الحياة هناك على أساس عبادة الجسد وتقديس الجمال والنظر إلى العلاقات الجنسية نظرة حرة بعيدة عن القداسة والعفاف والإيمان بالعرض وكرامة المرأة حيث تختلط الصور في هذه الترجمات المطروحة فتحدث آثارها الخطيرة في النفس العربية الإسلامية حتى تصل إلى صميم العقيدة نفسها.

كذلك كان من أسوأ آثار الترجمة ذلك الخلط الشائن بين المذاهب المتعارضة والنظريات المتضادة وهي نظريات ومذاهب لم تظهر في وقت واحد هنالك وإنما ظهرت على أزمنة متفاوتة ولكنها حين نقلت إلى فكرنا الإسلامي أريد طرحها جملة ليكون لاضطرابها وتباينها واختلافها أبعد الأثر في تدمير هذا الفكر والإدالة من أصالته.

ومن العجيب أن ننقل ونترجم آثار الفكر الغربي اليوم وهو يمر بمرحلة الأزمة والانهيار والهزيمة. وقد أحيط به واحتوته مقرررات التمودية وبورتوكولات صهيون وآوى أهله إلى ذلك الإحساس الرهيب بالغربة والقلق والتمرد والغثيان فنقل مسرح اللا معقول واللا أدب واللا أخلاق. ومثل هذه الفنون المضطربة التي لسنا في حاجة إليها والتي لا تستطيع أن تعطينا شيئًا يعيننا على بناء أنفسنا في فكرنا أو أمتنا وخاصة ما كتبه سارتر وكامي ومالرو من أحاسيس بالرعب والفزع والاضطراب نتيجة ذلك الانفصال الشائن عن العقيدة والأخلاق والمسئولية الفردية وهي في مجموعها تضاد الفطرة التي لا تستطيع النفس الإنسانية أن تتجاهلها أو تحتويها.

كذلك فإن هذه الترجمة تصور الفرد الغربي وهو يحتقر الأخلاق ويسخر من الرحمة والصدف والعفة والشرف ويحتقر الوطنبة ويضحك من التزام الأخلاق للمجتمع ويستخف بفكرة الأسرة والعائلة.

وتجد مثل هذه الترجمات تحمل ذلك المثل الرديء بأن لا يحترم الإنسان أحدًا ولا يحترم أي مثل أو دين أو مبدأ ويعتبر ذلك تقييدًا لحريته وما يتصل بهذا من إنكار له تبارك وتعالى وتهجم بالعبارات الرديئة عليه (جل جلاله) على النحو الذي عرف عن نيتشه وسارتر وبيراندلو، فضلًا عن إحياء الأساطير واتخاذها أساسًا لنظريات علم النفس والأخلاق والاجتماع أو مصاجر لمفاهيم الأنثروبولوجيا وغيرها من المفاهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت