فهرس الكتاب

الصفحة 14780 من 27345

أمّا المسألة الثالثة و الأخيرة في هذا المقام ، فعن التعامل مع المخالف ( و خاصّة المنتسبين أو المنسوبين إلى الجماعات و الأحزاب و المحسوبين عليها ) سواء منهم ذي البدعة الظاهرة التي يُجاهر بها ، أو من لم تظهر منه بدعة و لكن شُكّ في أمره بسبب صحبته و بطانته ، فأقول:

فقد قرّرت في رسالةٍ سابقةٍ لي كتبتها و نشرتها قبل أكثر من عشر سنين حول هجر المبتدعة مقرّرًا أن هذا الهجر من أصول منهج أهل السنّة و الجماعة في التعامل مع المبتدع ، و لكن الأمر ليس على إطلاقه ، فلا يهجر المسلم لمجرد وقوعه في البدعة ، إذ إن البدعة لا تقع على من وقع فيها مطلقًا , بل لا بدّ من التفصيل و التبيين .

كما أنّه يرجع في باب الهجر إلى مراعاة المصالح و المفاسد ، فقد يعامل المبتدع بشدّة تفوق معاملة الكافر أحيانًا ، إذا غلب على الظنّ إن في الغلظة عليه ردعٌ له عن بدعته ، تردّه إلى جادّة الصواب ، أمّا إن كان الهجر عديم الجدوى أو يؤدّي إلى مفسدةٍ أكبر فالأولى عدمه ، بل يعدل عن الهجر إلى ما قد يكون أبلغ في الزجر ، كالمناصحة و المحاجّة و المجادلة بالتي هي أحسن .

و بالجملة فإن أحكام الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يُمكن أن تُنَزّل على مسألة الزجر بالهجر ، و يراعى هنا ما يراعى هناك من المصالح و جلبها ، و المفاسد و درئها .

و تفصيل هذه المسألة هو موضوع الحلقة الرابعة من الدراسات المنهجيّة التي نشرتها بعنوان: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: ضوابط و أحكام في مواجهة أهل الحوادث و البدع ، و هو مطبوعٌ و ينشر على الشبكة قريبًا إن شاء الله .

غير أنّ ما لا يُقبل تأخير بيانه في هذا المقام هو ما سبق لي نشره على الرابط التالي في شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) التالي:

و هو عن وجوب العدل في الحكم على المبتدعة ، و ما يترتب على ذلك من الموالاة و المعاداة ، حيث أمرنا الله تعالى بالعدل فقال سبحانه: ( يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) [ المائدة: 8 ] .

و إذا كنّا عادلين في باب البراءة من المبتدعة و بغضهم و مباينتهم ، فلا بد أن يكون ذلك بحسب البدعة المتَلبَّس بها ، مع موالاتهم و محبتهم لما فيهم من الخير و البر من جهات أخرى ، هذا في حال كون البدعة غير مكفّرة ، و غير منافيةٍ لأصول أهل السنّة و الجماعة المتفق عليها ، فيكون ( الحب و البغض بحسب ما فيهم من خصال الخير و الشر ، فإنّ العبد يجتمع فيه سبب الولاية و سبب العداوة ، و الحب و البغض ، فيكون محبوبًا من وجه ، و مبغوضًا من وجه ، و الحكم للغالب )

[ شرح العقيدة الطحاويّة ، لابن أبي العز الحنفي ، ص: 434 ] .

و هذا مقتضى العدل ، و قد قرره شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في قوله: ( إذا اجتمع في الرجل الواحد خير و شر ، و فجور و طاعة و معصية ، سنة و بدعة ، استحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير ، و استحق من المعاداة بقدر ما فيه من الشر ، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام و الإهانة ، فيجتمع له من هذا و من هذا ، كاللص الفقير نقطع يده لسرقته ، و يُعطى من بيت المال ما يكفي حاجته ، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنّة و الجماعة ) .

[ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 28/209 ] .

و بناءً على ما تقدم ممّا هو مقرّر عند أهل السنة و الجماعة ، و هو ما أدين الله تعالى به أقول:

إنّ أهل البدع ليسوا على درجةٍ واحدةٍ ، ففيهم المبتدع الكافر ببدعته ، و فيهم الفاسق بتلبسه بها ، و فيهم الداعية إليها ، و غير الداعية ، و فيهم المعذور بجهله أو اجتهاده ، و غير المعذور شأنهم في ذلك شأن أهل الإيمان عند من قال إنّه يزيد بالطاعة و ينقص بالعصيان [ و هو مذهب جمهور أهل السنة خلافًا للحنفيّة . انظر: شرح الطحاويّة ، ص: 335 و ما بعدها ]

فلا بد أن يُنزل كلّ إنسان منزلته ، و يُحلَّ محلَّه ، و يأخذ حقّه من المعاملة ولاءً و براءً .

و هذا العموم في التعامل مع المخالفين لا بُدّ من تخصيصه إذا أريد تنزيله على الواقع المعاصر أو أعضاء و أتباع الأحزاب و الجماعات الإسلاميّة المعاصرة , و خير من تناول هذا الموضوع فشفى و وفى هو سماحة الشيخ العلاّمة عبد العزيز بن باز رحمه الله ، و من رسائله الكثيرة الوفيرة ، و فتاواه المنيرة التي يسدي فيها نصحه لأتباع الجماعات و الأحزاب ، و يوجّه إلى الآخرين إلى معاملتهم وفق الشريعة الغراء ، أقتطف الرسالة التالية وهي منشورة في الجزء السابع من ( مجموع فتاوى و مقالات متنوعة ، للشيخ رحمه الله ) ، و معروضة على الرابط التالي في شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) :

و هي عبارة عن سؤال و جواب فيما يلي نصّهما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت