فائدة: إن حقيقة الخلاف القائم بين أهل السنة والجماعة ، والمتكلمين ، هو مسألة تقديم العقل على النقل ، فأهل السنة والجماعة يقدمون النقل على العقل ، ويخضعون العقل للنقل ، على خلاف المتكلمين ، فهم يخضعون النقل للعقل ، فأي مسألة حكم العقل بصحتها آمنوا بها وإن كانت ظنية الثبوت ، وأي مسألة لم يحكم العقل على صحتها ردوها إما تأويلاُ ، وإما تعطيلًا ، والمتأمل في ذلك يعلم أن حزب التحرير لا يعتقد معتقد أهل السنة والجماعة ، بل معتقد الفرق التي خرجت عن أهل السنة والجماعة ، وعليه فما يدعو إليه من كون خبر الواحد لا يفيد العلم ، هو معتقد المتكلمين وليس معتقد أهل السنة والجماعة .
سادسًا: إن من المضحك المبكي ، أن هؤلاء القوم حرموا على الناس الإيمان بخبر الواحد لأنه قائم على الظن ، وما درى هؤلاء أن الظن الذي حذروا الأمة منه ، هو عين ما وقعوا فيه ، فإن اشتراطهم عددا معينًا لإفادة اليقين ، اشتراط غير مبني على دليل ، بل قد قام الدليل على خلافه ، ومن المعلوم أن إثبات مسألة من مسائل العقيدة تحتاج إلى دليل قطعي ، فأين دليلهم الظني على ذلك ؟ ناهيك عن إتيانهم بالدليل القطعي ، فالمسألة التي أصلوا عليها مسألة مفتقرة إلى الدليل أي لا يستطيعون أن يأتوا بحديث أو آية أو إجماع على أن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز الإيمان بها إلا إذا تحقق فيها أدنى حد التواتر وهو خمسة رواة في كل طبقة من طبقات الحديث ،ومن المعلوم أن ما كان أصله ظنًا فلن تكون نتائجه قطعية ، وعليه فهم في قولهم هذا متبعون للظن الذي حذروا الناس منه ، فهلا علموا ذلك !!!
سابعًا: إن مذهب القائلين بعدم اعتبار خبر الواحد في العقائد ، يؤدي إلى تقسيم الدين من حيث الثبوت إلى قسمين عقيدة وأحكام، واشترطوا في العقيدة ما لم يشترطوه في الأحكام ، مما يؤدي ذلك إلى فصل العقيدة عن العمل ، والعمل عن العقيدة ، أي ما كان متعلقه التصديق فلا يدخل العمل به ، وما كان متعلقه العمل لا يدخله التصديق ، وهذا القول بناء على مذهبهم الباطل الذي يفرقون به بين الإيمان والعمل ، ويظهر ذلك جليًا من خلال تعريفهم للعقيدة إذ هي عندهم: ( تصديق جازم موافق للواقع عن دليل ) . فلا يدخلون العمل في الإيمان ، أو الإيمان في العمل ، وعليه يوجبون العمل بالأحكام الشرعية وإن تجرد عن الإيمان ، وهذا معنى قولهم: ( نصدق ولا نؤمن ) أي نصدق بأن خبر الواحد ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نؤمن به ، ونوجب العمل به ، فهنا أصبح تفريق بين التصديق والإيمان ، وبين العمل والتصديق ، فعندهم العمل شيء ، والتصديق شيء آخر والإيمان شيء ثالث ، والشاهد الذي نريد أن نصل إليه هو:
أنهم يفرقون بين التصديق والإيمان ، فهم يصدقون بخبر الواحد إن صح سنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم لا يؤمنون به ، فهم يقرون بأن هذا الحديث قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن العمل به واجب إن كان متعلقًا بالأحكام الشرعية ، وأن الذي لا يعمل به يكون آثمًا ، ولكنهم في الوقت ذاته يقولون: إن الإيمان بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله لا يجوز ، فما هو التصديق وما هو الإيمان عندهم ؟ أما الإيمان فهو التصديق الجازم ، إذن فالتصديق يكون غير جازم ، والجزم لفظ يدل على صحة الثبوت ، وعدم الجزم شيء يدل على عدم الثبوت ، وعليه يكون القوم إما مؤمنين بما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالعقيدة ، وإما غير مؤمنين ، وبلا ريب أنهم غير مؤمنين ، إذن فهم واقعون في دائرة الشك ، إذ إن التصديق غير الجازم يكون فيه شيء من الشك وعليه فالقوم يتخبطون في مسألة لا يعرفونها ، فلو سألت أحدهم ما الفرق بين التصديق والإيمان فيما يتعلق بالعقيدة ، فلن تجد عنده جوابًا يعول عليه .
ثامنًا: إن الأخذ بقولهم الباطل يؤدي إلى مخالفة أهل السنة والجماعة في معتقدهم في كثير من القضايا التي قام الإجماع عليها ،كمسائل عذاب القبر ، والصراط ، ونزول عيسى عليه السلام ، وإثبات الشفاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وسؤال الملكين ، وغيرها من المسائل التي دلت عليها الأحاديث الصحيحة التي لم تصل أسانيدها حد التواتر بالضوابط التي وضعوها، ولا شك أن كل من خالف ما قام عليه الإجماع يعتبر آثمًا لقوله تعالى: ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ) . النساء (115)
فاتباع سبيل المؤمنين شرط أساسي في صحة العمل واعتباره ، بل إن إتباع سبيل المؤمنين ، هو الضابط الأصلي للحكم على الأعمال من حيث الصحة والبطلان ، وما جاء ثابتًا عن علماء الأمة المعتبرين من أهل السنة والجماعة ، هو إيمانهم بهذه الأمور وغيرها ، وعليه فإن مخالفتهم في ذلك هو خروج عن اتباع سبيل المؤمنين الذي توعد الله سبحانه كل من خالفه.