ومثل لهذه الأنواع ، بالأوقاف في القدس والخليل ، ثم خلص إلى القول بأن الوقف في الإسلام ، هو تعطيل لمساحات شاسعة من الأرض ، ووقفها على أغراض بسيطة ، ولذلك كثيرًا ما عمد الحكام الأذكياء مثل محمد علي باشا ، وجمال عبد الناصر ، إلى إلغاء هذا الوقف ، والاستفادة من الأراضي الموقوفة المعطلة .
ثم انتهى البروفسور من محاضرته ، وفتح باب الأسئلة للحضور ، فانهالت عليه عبارات الاستغراب والاستهجان لهذا النظام الاقتصادي المتخلّف .! وكان بين الحاضرين ، أحد العرب الذين ينتمون إلى فئة (الخطباء الأغبياء ) ، من الذين لا تزيد معدلاتهم في التوجيهي عن (49+1) ، فضحك ساخرًا من جبرائيل ، وممن منحه لقب بروفسور .!!!
طالما لم يجد في الإسلام إلا هذا الموضوع السطحي ، ليتحدث عنه بهذا الأسلوب المهلهل .
ولكن صاحبنا ، ما كان يدري أن بيير هذا ، هو ممثل ( المؤسسة الفكرية ) في الكيان الصهيوني ، ولقد كان يقوم بدوره بكل براعة ، ممهدًا لرجال السياسة ، و ( المؤسسات التنفيذية ) لتضرب ضريتها ، وتطرق على الحديد المحمى ، وتقوم بدورها في مصادرة الوقف الإسلامي في فلسطين المحتلة ، وتحوله إلى مستوطنات جديدة ، للمهاجرين اليهود .
وعندما علم هذا (الخطيب ) بالحقيقة ، فغر فاه ، وقال: شياطين .! عفاريت .!!!
وللحقيقة نقول: بأن الكيان الصهيوني مليء بهؤلاء العفاريت ، الذين يعملون في الليل والنهار ، لتحقيق أهدافهم والوصول إلى غاياتهم ، بينما انتكست في عالمنا العربي والإسلامي المؤسسات الفكرية التي تخرّج العباقرة و (الفقهاء ) ، الذين يحسنون اكتشاف وتطبيق القوانين التي تسيّر علوم السياسة ، والعسكرية ، والاقتصاد ، والاجتماع ، والتربية ، وغيرها.
ورضي الله عن الصحابي الجليل ، عبد الله بن مسعود ، الذي قال:
( في آخر الزمان ، يكثر الخطباء ، ويقل الفقهاء ) .
التدرّج والتخصُّص
د.فواز القاسم / سورية
إن من يرزقه الله نعمة التذوق للمنهج القرآني العظيم والمنهج النبوي الشريف ، يلحظ جليًا اعتمادهما على قانون ( التدرج ) و ( المرحليّة ) في الإصلاح والتغيير ، فلقد أنشأ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، أفضل جماعة في الوجود ، وبنى أعظم دولة في التاريخ الإسلامي، كل ذلك في غضون ربع قرن .
ولقد أدى غياب فهم وتطبيق هذا القانون في عصرنا الراهن ، إلى حدوث مفسدتين عظيمتين على الأقل:
أولاهما: مفسدة اليأس والسلبية ، بسبب الخلل في فهم وتفسير بعض النصوص القرآنية ، مثل (( لا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها ) ). فلقد احتج بعض السلبيين بهذه الآية وأمثالها من النصوص الشريفة ، وسوّغوا كسلهم وسلبيّتهم ، بحجّة طول الطريق ، ووعورته ، وبعد الشُّقَّة ، وكثرة العقبات ، وقلة الإمكانات ... فاستسلموا لليأس ، وانصرفوا عن العمل.!!!
والثانية: مفسدة التعسّف والاستعجال ، حيث فهم البعض الآخر من قوله تعالى: (( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ ) )أنهم يجب أن ( يأخذوا الإسلام جملة ، أو يدعوه جملة ) !
متجاهلين منهج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، الذي فرَّق بين: ( الإيمان بالكلّ ) نعم ، ولكن ( العمل بالممكن) .
وبين هذه المفاهيم القاصرة والمغلوطة ، ضاعت الأوقات ، ونفدت الأعمار ، وبقيت الأمة تراوح مكانها ...
فلا نحن طبَّقنا الكلَّ ، ولا حافظنا على الجزءَ .
ولا أصلحنا النفوس ، ولا ربينا الأجيال ، ولا حسَّنا المعاش ، ولا طوَّرنا الاقتصاد ، ولا حرّرنا البلاد .
ولا وحَّدنا الأمة و أقمنا الولايات الإسلامية المتحدة ... ولا حتى حافظنا على مجتمعاتنا ، وعرفنا كيف نربي أبناءنا .!!!
وبقينا نتراشق بالتهم ، وتعبنا من الجدل العقيم ، وقرفنا من الشعارات البراقة ، واليافطات العريضة ، واكتوينا بنار الخلافات والانشقاقات والشرذمات ، وانسحبنا واحدًا بعد الآخر ، من ساحة العمل العام .
بينما أمتنا تتمزَّق ، وشعوبنا تُهان ، وحرماتنا تُداس ، وأعراضنا تُنْتَهك .
وكل ذلك ، بسبب غياب القادة القدوة ، والمجددين الربانيين ، وأولي الالباب من صفوفنا ، وتغييب فكرة ( التدرُّج ) من مناهجنا ، وتعطيل قانون ( المرحليّة ) في تطبيقاتنا .
فلقد حُقِّرت في أذهاننا هذه القوانين ، ودعينا إلى القفز من فوق الأسوار ، وأغلبنا لم يقفز من فوق عتبة بيته ، فكانت النتيجة أن تكسَّرت أرجلنا ، وتحطَّمت عظامنا ، وتهشَّمت رؤوسنا ، وصار الفشل والتخبّط قدرنا .
وانتهى أغلب العاملين منّا ، إما إلى اليأس والإحباط والسلبية ، أو إلى التردي في مهاوي التطرف الذميم ، والسقوط في مستنقعات الحروب الأهلية المقيتة .
أخيرًا … إذا كانت لي من كلمة أختم بها هذه الدراسة ، فإنني أقول: بأنني لست يائسًا _ شهد الله _ من أمتي ، ولست ناقمًا _علم الله _ على دعوتي ، ولست حاقدًا _ وأيم الله _ على إخوتي ، ولست قانطًا _ بفضل الله _ من رحمة ربي …