فهرس الكتاب

الصفحة 18346 من 27345

لحد القذف حكم بالغة، منها حماية عرض المسلم فلا يصبح عرضه كلأً مباحًا يلوكه أي إنسان، والحكمة الثانية: أن التساهل في القذف، يدعو إلى أن تكون الفاحشة أمرًا سهلًا و مستساغًا عند الناس؛ فيسهل بعد ذلك الوقوع فيها لكن عندما يفرض هذا السياج حول هذا الأمر وما يتعلق له لا يجرؤ الإنسان أن يقول فلان فعل كذا أو فلان وقع في كذا وكذا إلا وعنده بينة، فإذا طالب المقذوف بحقه ولم يأت بالبينة، فيشرع أن يعاقب بحد القذف بأن يجلد ثمانين جلدة، وألا تقبل له شهادة أبدًا، وأن يحكم بفسقه، إلا أن يتوب بعد ذلك.

و هذا الحد فيه سد لذريعة الفاحشة، لأن فتح الباب على مصراعيه للجميع يتحدث عن هذا الأمر مدعاة لأن تصبح الفاحشة قضية تلوكها الألسنة وتتحدث عنها كثيرًا.

ثالثًا: الأمر بالزواج

من الوسائل التي فيها سد لأبواب الفاحشة الأمر بالزواج، وجعله من سنن المرسلين، قال الله سبحانه وتعالى: [و لقد أرسلنا رسلًا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله] ، فأخبر الله سبحانه وتعالى أن من سنن المرسلين الزواج والنكاح، قكما أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فقد جعل الله عز وجل لهم الأزواج والذرية. ويقول صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر و أحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء،"وقال:"إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه"وكل هذه النصوص وغيرها تأمر وتحث على الزواج من أجل تيسير وفتح هذا الباب من جانب، وإغلاق وسد باب الفاحشة و الذريعة إليها من جانب آخر.

رابعًا: الأمر بغض البصر

النظر هو بريد الزنا وهو الخطوة الأولى لمواقعة الفاحشة عافانا الله وإياكم قال تعالى: [قل للمؤمنين يغضون من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون] . وختم الآية بقوله (( خبير بما يصنعون ) )يدل على دقة العلم، وهي تدعو إلى أن يشعر الناظر أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه، وأنه سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، إنه قد يكون أمام الناس فينظر نظرة لا يظن من حوله بها إلا خيرًا، ولكن في قلبه غير ذلك، والله سبحانه وتعالى هو وحده العالم بما في قلبه

يقول جرير بن عبدالله رضي الله عنه:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري"والحديث رواه مسلم وفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري تعليقًا ورواه مسلم عن أبي هريرة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"كتب على ابن آدم حظه من الزنى فهو مدركه لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، وزنى الأذنين الاستماع، وزنى اليدين البطش، وزنى الرجلين الخطى، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه"وفي رواية أخرى"فالعين تزني وزناها النظر والأذن تزني وزناها السماع"، وهنا يتبادر سؤال: لماذا بدأ بالنظر قال:"زنى العين النظر"، يقول ابن القيم رحمه الله: فبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بزنى العين لأنه أصل زنى اليد والرجل والقلب والفرج"."

وأريد أن أوقفكم معشر الشباب عند حديث طالما تأملت فيه كثيرًا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إياكم والجلوس في الطرقات ، قالوا: يا رسول الله ما لنا منها بد، مجالسنا ،قال: فأعطوا الطريق حقه ، قالوا: وما حق الطريق ، قال: غض البصر إلى آخر الحديث.."، والشاهد هنا غض البصر، ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أولًا يخاطب أصحابه وقد كانوا في بيئة محافظة، والنساء كن يتحجبن، وكانت المرأة تلتصق بالحائط حتى يكون في الحائط أثر من التصاقها به،وذلك حين قال النبي صلى الله عليه وسلم:"استأخرن فإنه ما يكون لكن أن تحققن الطريق"، ففي هذا الوسط الذي لم تكن المرأة تخرج فيه إلا لحاجة، وإذا خرجت خرجت متسترة ملتصقة بالحائط، ومع ذلك لم يأمرهم صلى الله عليه وسلم بغض البصر ابتداءً، بل نهاهم عن الجلوس في الطريق وإذا اضطروا إلى الجلوس في الطريق فليغضوا البصر.

وإذا تأمل الشاب هذا المعنى أدرك أنه لابد أن يكون حازمًا مع نفسه، لإغلاق المنافذ إلى شهواته و أهوائه، فكم يفتح الشاب على نفسه الأبواب ثم يتساءل أنا أشتكي من الشهوة، ولو أغلق الأبواب على نفسه، واتبع هذا الأدب النبوي الذي علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم لأراح واستراح.

يقول أحد العلماء الألمان (عالم غربي) : لقد درست علم الجنس وأدوية الجنس فلم أجد دواء أنجح وأنجع من القول في الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم [و قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم] رأت امرأة رجلًا ينظر إليها وهو يطوف بالبيت، فقالت:

و كنت متى أرسلت طرفك رائدًا *** لقلبك يومًا أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا أنت قادرٌ *** عليه ولا عن بعضه أنت صابر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت