ومما شرع سدًّا للذريعة: الأمر بالاستئذان عند دخول البيت يقول الله عز وجل: [يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها] ويبين النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من الاستئذان في حديث سهل عند مسلم قال:"إنما جعل الإذن من أجل البصر"، أي ما شرع الاستئذان إلا من أجل البصر إذن فالأمر بالاستئذان لأجل ألا تقع عينه على أمر محرم في البيت، كأن تكون المرأة قد وضعت ثيابها، وتكون في مظهر مبدية فيه للزينة وهذا مدعاة للوقوع في الفتنة.
ومن ذلك الأمر باستئذان الصغير كما في قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم] حتى الصغير ينبغي أن نربيه على أن لا يدخل على والديه إلا باستئذان فقد يرى ما لا ينبغي أن يراه ،قال تعالى: [و إذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم] فتزاد الآن حدود الاستئذان.
والمفترض أن لا نقف عند الظاهر فقط؛ فالمسلم يلتمس الحكمة من وراء ذلك، فالذي أمرك بالاستئذان هو الذي أمرك بالحجاب.
وحين تتأمل فيما يفعله كثير من الناس ترى صورًا من التناقض، كالذي يأمر محارمه بالتحجب عن الأجانب، و لكن الخادمة لها أن تكشف له ولغيره من الأجانب، أو كالذي يأمر ابنه بأن يغض بصره ويسمح له بأن ينظر إلى التلفاز بما يحويه من سفور وتبرج، فعلينا أن ندرك أسرار حكم الله سبحانه و تعالى.
ثامنًا: تحريم الغناء
ومن ذلك تحريم الغناء، ولتحريمه حكم منها أنه يصد عن القرآن فالإنسان الذي يتلذذ بسماع الغناء لا يتلذذ بقراءة القرآن أو سماعه، ولذا يثقل القرآن والموعظة على بعض الناس، وهذا مصداق لقول الله عز وجل: [و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مهين* وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرًا] فحب الكتاب وحب ألحان الغناء لا يمكن أن يجتمعا في القلب، فهذا مزمار الشيطان وصوت الشيطان وذاك كلام الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أبدًا أن يجتمع النقيضان، فإذا وجد صوت الشيطان لابد أن يرحل كلام الله سبحانه وتعالى.
والحكمة الثانية -التي هي الشاهد هنا - أن الغناء رقية الزنا وبريد الزنا؛ فكل ما في الغناء يدور حول الحب والغرام والعشق وما يتعلق بها، وهذا أمر يدركه كل من ابتلاه الله وتاب إليه.
يقول الفضيل:"الغناء رقية الزنا". ويقول يزيد بن الولي:"فإن الغناء داعية الزنا"ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"و أما الفواحش فالغناء رقية الزنا وهو من أعظم أسباب الوقوع في الفواحش"والشاب ليس بحاجة إلى من يثير شهوته.
تاسعًا: تحريم سفر المرأة دون محرم
من الذرائع التي سدت سفر المرأة بدون محرم يقول صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها"والحديث في الصحيحين عن أبي هريرة، وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عباس قال:قال صلى الله عليه وسلم:"لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال انطلق فحج مع امرأتك"."
ويسقط وجوب الحج عند جمع من الفقهاء عن المرأة إن لم تجد محرما.
عاشرًا: تحريم الخلوة بالأجنبية
سبق في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما:"لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم"وفي الصحيحين من حديث عقبة:"إياكم والدخول على النساء"فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال صلى الله عليه وسلم:"الحمو الموت".
الحادي عشر: التفريق بين الأولاد في المضاجع
ومن الأحكام أيضًا التفريق بين المضاجع كما في المسند وأبي داود والحاكم من حديث عبدالله ابن عمرو يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"."
هذه بعض الأحكام الشرعية التي شرعت من أجل سد ذريعة هذه الفاحشة، وحماية المجتمع منها.
ولقد اعتنى أهل العلم في التأكيد على مراعاة هذه الآداب، عند حديثهم عن المدارس وما ينبغي لمعلم الصبيان.
يقول الحافظ ابن حجر الهيثمي في كتاب (تحرير المقال في آداب وأحكام وفوائد يحتاج إليها مؤدبو الأطفال) :"فصل فليحذر المعلم من نظر المرد الذين يعلمهم"وذكر بعض النصوص في النظر ثم قال: قال بعض التابعين:"ما أنا خوف على الشاب الناسك من سبع ضارٍ من الغلام الأمرد يقصد إليه"وكان يقول"لا يبيتن رجل مع أمرد في مكان واحد، وأقوال السلف في التنفير منهم والتحذير من رؤيتهم ومن الوقوع في فتنتهم ومخالطتهم أكثر من أن تحصى".
وفي هذا العصر يتأكد مراعاة هذا الأمر، ومع انفتاح هذه الأبواب وكثرتها عافانا الله وإياكم كان لابد من الحديث والعناية بهذا الجانب.
واجبنا تجاه هذه القضية