فهرس الكتاب

الصفحة 21849 من 27345

وقد سار السلف على خطى نبيهم _صلى الله عليه وسلم_ فأوصوا بالتدبر وضربوا لنا فيه الأمثال فكان ابن عباسٍ _رضي الله عنهما_ يقول:"ركعتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب".

وكان الفضيل - رحمه الله - يقول:"إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملًا. قيل: كيف العمل به؟ قال: ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه".

وعمليًا كان منهم من يقوم بآية واحدة يرددها طيلة الليل يتفكر في معانيها ويتدبرها. ولم يكن همهم مجرد ختم القرآن؛ بل القراءة بتدبر وتفهم.. عن محمد بن كعب القُرَظِي قال:"لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ (إذا زلزلت) و (القارعة) لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما، وأتفكر أحبُّ إليَّ من أن أَهُذَّ القرآن (أي أقرأه بسرعة) ".

ألا ينبغي أن تكون لنا في هؤلاء ومن قبلهم نبينا _صلى الله عليه وسلم_ أسوة حسنة؟

ألم يبدل الله حالهم بهذا القرآن؟

ألم يشرقوا به ويغربوا فاتحين الأمصار، حاملين خير الدارين للأمم بهذا الكتاب؟

ألسنا بحاجة إلى ما نحل به مشاكل واقعنا المعاصر المعقدة الحادثة؟ بلى والله، ولكن:

ومن العجائب والعجائب جمة ... ...

قرب المراد وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... ...

والماء فوق ظهورها محمول

وصدق الله العظيم القائل:"مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [الجمعة:5] .

اللهم قد حملنا الأمانة كما حملها جنس الإنسان، فأعنا على القيام بها بتدبر القرآن، فأنت المستعان وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

لماذا نتدبر القرآن(6-6)

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعامالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله ومن تبعهم مصيبًا مخلصًا، وبعد:

إن من أعظم أسباب الهداية إلى الصراط المستقيم تدبر كتاب الهداية، كما أن من أعظم أسباب الضلال الإعراض عن مصدر النور، والتماس بنيات الطريق.

ولهذا كان تأمل آيات ربنا والوقوف معها وتدبرها من الأهمية بمكان، وكيف لانقف وكيف لانتأمل والله _جل ذكره_ يقول في كتابه:"كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا".

ومن الإعراض عن كتاب ربنا، الإعراض عن تدبره، قال الإمام ابن القيم _رحمه الله_:"هجر القرآن أنواع، أحدها: هجر سماعه والايمان به والاصغاء إليه."

والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.

والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم اليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.

والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به"."

ثم قال _رحمه الله_:"وكل هذا داخل في قوله:"وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا"".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) فبين أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسول".

وقال ابن كثير _يرحمه الله_:"وترك تدبره وتفهمه من هجرانه".

وبالمقابل، قال ابن القيم:"ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتهما وأسبابهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وقواطيع الطريق وآفاته، وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت