وهكذا ندرك أن السبب الذي دفع العلمانية للظهور في المجتمع الأوروبي ليس له ما يبرره على الإطلاق في البلاد الإسلامية..
لكن الذي حدث أن نفرا من بنى جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا - قد حكموا على الإسلام بما حكم به على المسيحية؛ فاعتنقوا العلمانية وأصبحت اللادينية هي دينهم!!.
وهؤلاء النفر إما من المثقفين الذين تلقوا تعليما غربيا علمانيا ولم يتلقوا بجانبه تعليما إسلاميا وكانوا بمعزل عن الإسلام وتعاليمه ومنهجه، وإما من هؤلاء الذين بهرتهم أضواء الغرب وحضارته مع إيمانهم العليل بالله وعلمهم الضئيل بدينه، وإما من هؤلاء الذين يبيعون أي شئ بأي ثمن حتى لو كان دينهم وتراث أمتهم..
ثم هم يطلبون منا بعد ذلك أن تكون علاقتنا بربنا علاقة سرية؛ فلا نسمح لتشريعاته بدخول المحاكم، ولا لتاريخ دينه وسيرة رسوله بدخول المدارس، ولا لتعاليمه بأن تسود المجتمع!!.
فهل ينتظر منا هؤلاء أن نسمع لهم ونقبل فكرهم ؟!
وهل يأملون في أن نترك ديننا الحق ونؤمن بما يعتنقوه؟!
لقد أنعم الله علينا بالإسلام، وأرشدنا به إلى سبل السلام؛ فكيف بنا بعد ذلك نعصى أمره، ونهمل شرعه، ونجحد حكمه؟!!
والله قد أنزل إلينا كتابا كي نبصر في نوره، ونسير في إشراقه؛ فهل نحيا بشرعه ونحكم بحكمه، أم نحكم عليه بالهجران وعلى أنفسنا بالخسران ؟!
كيف والله تعالى يقول: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم..أفلا تعقلون؟!!) ؟!!الأنبياء: 10
لا نفرق بين أحد من رسله
قال الله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير) . البقرة:285
لقد من الله علي الناس بأن عرفهم بنفسه، وأفاض عليهم من كرمه بأن هداهم إلى عبادته؛ فهو الواحد الأحد المعبود بحق الذي ليس له مثيل ولا نظير.
ولقد ابتعث الله الرسل من أجل هذه المهمة العظيمة.. وهي تعريف الناس بربهم خالق السماوات والأرض .. لكي يعبدوه وحده.. حتى يخرج الناس من الحيرة إلى الاطمئنان.. و من الشرك والكفر إلى الإيمان..
فالرسل في مجملهم قد بعثوا للقيام بمهمة واحدة؛ وهي هداية الناس إلى الله الواحد؛ فمن آدم أبو البشر وحتى محمد خاتم الأنبياء كان القصد هو التوحيد والأخذ بأيدي الناس إلى طريقه السديد؛ فما أتى به نوح عليه السلام لا يختلف عما أتى به إبراهيم، وما أتى به إبراهيم لا يختلف عما أتى به موسى، وما أتى به موسى لا يختلف عما أتى به عيسى، وما أتى به عيسى لا يختلف عما أتى به محمد- عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين-
(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) . الشورى:13
لذلك فالله عز وجل ينهانا عن أن نفرق بين أحد من رسله؛ فالكل هدفهم واحد، والكل غايتهم واحدة، وهي عبادة الله الواحد.
بل إنه لا يتصور أن تختلف دعوات الأنبياء في شأن العقيدة؛ لأن أمور العقيدة من نوع الإخبار، والإخبار عن شئ لا يمكن أن يختلف ما بين مخبر وآخر إذا فرضنا الصدق في خبر كل منهما؛ فمن غير المعقول مثلا أن يدعو إبراهيم قومه لترك عبادة الأصنام وعبادة الله وحده، ويأتي موسى ليخرج بني إسرائيل من مصر لكي يعبدوا الإله الواحد رب آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم يأتي عيسى بعد ذلك ليقول أن الله ثالث ثلاثة !! ؛ وذلك لأن عقيدة الألوهية لا يمكن أن تتغير من نبي لآخر، بل لا يمكن أن يأتي بها أحد الأنبياء ناقصة أو غير واضحة ثم يأتي نبي من بعده لكي يكملها أو يبينها..
هل يعقل أن جميع الأنبياء قبل المسيح قد عاشوا وماتوا دون أن يعرفوا حقيقة الإله الذي أرسلهم، وأفنوا حياتهم في سبيل نصر دعوته، وإعلاء كلمته، وإظهار رايته ؟!!
وذلك ينطبق على أمور العقيدة ولا ينطبق على أمور التشريع التي تختلف من زمن لآخر؛ فالتشريع من نوع الإنشاء وليس من نوع الإخبار .. لذلك بعث جميع الأنبياء بعقيدة واحدة ولكن اختلفت التشريعات بنسب متفاوتة فيما بين الرسل.. فعيسى جاء مصدقا لعقيدة موسى ومتمما لشريعته.. ومحمد جاء مصدقا لعقيدة عيسى ومتمما لشريعته ومتمما لكل الشرائع، فهو النبي الخاتم صاحب الشريعة الخاتمة - صلى الله عليه وسلم -.
والرسل إذ يعلموننا ويأخذون بأيدينا لا يدعون أبدا أنهم أكثر من بشر، أو أنهم خلق خاص من طينة مختلفة، أو من جنس مميز عن باقي البشر؛ فالله قد أمر عبده ورسوله محمد ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد ) . الكهف:110
ويسأل عيسى المسيح وهو أعلم بما في نفسه (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب) المائدة:116