إن كان فعلنا في إساءتنا لقوم سيؤدي إلى إساءتهم لأصل ديننا فالأمر عظيم والنهي عنه وارد في الكتاب الكريم ؛ لأن القوم لا يعرفون دينا ولا يقيمون وزنا ولا قيمة ولا قدر لنبي ؛ فإن قلت قولا ثم كان من أثره أن يسيئوا إلى الدين والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم فإن الحكمة تقتضي الامتناع عن ذلك وإدراك مآلات الأمور والنظر فيها، والممارسات التي تتم من بعض المسلمين في ثورة العاطفة، ما الذي أدت إليه، سفك دماء مسلمة وإزهاق أرواح مؤمنة، إتلاف أموال في بلادنا وديارنا ثم صورة يريدون أن يلصقوها بنا وأن أهل الإسلام ليس عندهم إلا القتل والدم والعنف والإرهاب كما يزعمون، ونحن لا نقول إننا قوم نسالم كل من اعتدى علينا وحل بنا عدوانه لكننا في الوقت نفسه لسنا قوما من أهل العنف الذين يرغبون فيه لذاته ولا يتعطشون للدماء بل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلك رسالة مهمة ينبغي لنا أن نعيها ونحن في هذه الأجواء العظيمة لنصرة نبينا صلى الله عليه وسلم .
أسأل الله عز وجل أن يبصرنا بديننا وأن يجعلنا متمسكين بسنة وهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أما بعد معاشر الأخوة المؤمنون:
ومسألة ثالثة نختم بها وهي جديرة بأن يطول الحديث فيها وقد يكون ذلك كذلك من بعد، إنها مسألة: التعريف والتعليم
نحن إذا أردنا نصرة نبينا فهذا واجبنا تجاه سيرته وتجاه أخلاقه وتجاه سنته صلى الله عليه وسلم .
ومضات سريعة للمسلمين تعليم ولغير المسلمين تعريف، ماذا نريد للسيرة بين المسلمين، جوانب ثلاثة:
أولا: السيرة إيمانا ومحبة:
نريد أن تكون السيرة طريقا إلى زيادة الإيمان، وترسيخ اليقين بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيم محبته في النفوس حتى يصدق ما طلب منا عليه الصلاة والسلام: ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به ) .
ويوم قال عمر مقالته الشهيرة، فقال له من بعد: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي التي بين جنبي، قال: ( الآن يا عمر )
تلك هي السيرة التي نريد في بعدها الأول.
والسيرة ثانيا: سيرة تربية وقدوة
نريد ألا تكون عواطف جامحة، ولا مجرد كلمات نقولها في الثناء والمدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس أعظم من ثناء ربه عليه ومدحه له في كتابه الكريم وفيما جعل من التشريع لتعظيم قدره عليه الصلاة والسلام، لكن السيرة تربية لنا وقدوة تنتصب في حياتنا، فنرى الرسول صلى الله عليه وسلم زوجًا وأبًا، ونراه حاكمًا وقائدًا، ونعرفه صديقًا وصاحبًا، ونطلع على سيرته قاضيًا عادلًا، إلى غير ذلك من الوجوه التي نعرفها.
وأخيرا: السيرة معرفة وقدرة:
لا بد من أن نعرف سيرتنا عن بصيرة وعلم، وخاصة مواطن الشبهات الني يثيرها الأعداء، أو التي هي ضلالات عندهم أوهي جهالات عند بعض المسلمين حتى ننير للناس الطريق ؛ لأن سنة النبي وسيرته صلى الله عليه وسلم هي التطبيق العملي لكتاب الله وهي التفسير الحي لما جاء في كتاب الله، فحينئذ نعرف منها ما يكشف لنا كل غامض وما ينير لنا كل مظلم فنكون على بينة من أمرنا .
{ قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } .
ولغير المسلمين تعريف يكون في محاور ثلاثة:
السيرة تأصيل وتاريخ، ليعرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم مذكور في كتبهم، وله بشارات وشهادات في كتب من جاء من قبله من الرسل، خاصة فيما جاء به عيسى وموسى عليهما الصلاة والسلام، وهذه الآثار رغم التحريف باقية في تلك الكتب بعض دلالاتها وإشاراتها ؛ لأن القوم كما قلت لا يعرفون دينا بل هم اليوم في أكثر أحوالهم لا دينيين، فليعرفوا هذا البعد في السيرة .
ولنأخذ بُعدًا آخر وهو السيرة في الإنسانية والعظمة لنبرز المعاني الإنسانية التي أصبحت لدى القوم اليوم كأنما هي مثل عظيمة وقيم لا بد من حفظها، ليعرفوا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الحقيقي للرحمة والتسامح، وليعرفوا الدور الإيجابي لرعاية وحماية حقوق الإنسان، وليعرفوا الضابط المنهجي لحرية التعبير ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة للبشرية كلها، وإن كان بالنسبة لنا مصدر تشريع فإنه مصدر نور وضياء لكل إنسان حتى وإن لم يكن مسلما، لأن عظمة شخصيته يقر بها كل أحد ويرى فيها أنموذجا متفردًا حتى إن بعض كتاب الغرب عندما أراد أن يكتب عن أعظم مائة رجل، كتب كتابه فجعل محمدا أعظم عظماء البشر، وهو لا يعرف حقيقة الإيمان به والإسلام الذي جاء به عليه الصلاة والسلام .
وثالث نكمل به هذه المسألة ، وهي: السيرة تجربة خبرة