فهرس الكتاب

الصفحة 23824 من 27345

وتعتبر هذه القضية ميزة تتحلى بها الأمة المحمدية؛ لأن الإسلام يمثل الدين الخاتم الصالح والمصلح لكل زمان ومكان، فجاءت نصوص الوحيين تحمل في طياتها إمكانية تعدد الأفهام لمراعاة التغير على مر العصور، ولمواكبة التطورات والتغيرات المستحدثة. فإن الاختلاف يصبح مذمومًا، إذا كان بعيدًا عن ضوابط الشرع، وبما يؤول إليه من التشرذم والتحزب والتناحر والتحاقد، ومما تجدر الإشارة إليه أن وجود تيارات إسلامية في الساحة الإسلامية، ليس من الاختلاف والفرقة المشار إليها في الحديث: (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة.. ) ) ( ) ، بل هو من تعدد الآراء والاجتهاد وتنوع آليات العمل ووسائله مع الاتفاق على القواعد العامة والمبادئ الكلية، ما دامت تلك الاتجاهات في إطار الاختلاف التنوعي لا اختلاف التضاد."والأصل في ذلك كله أنّ الحركات الإسلامية اليوم بمثابة الجيوش التي ينبغي أن تنتظم فيها الأمّة كلها على اختلاف نحلها ومشاربها لدفع فتنة الكفر والردة ودرء خطرهما عن دار الإسلام. فهي البديل عن الدولة الإسلامية التي كانت تجند المسلمين كافة إذا داهم العدو دار الإسلام، ولا تحجب أحدًا ممن ثبت له عقد الإسلام من الاشتراك في هذا الجهاد ولا تمنعه من الغنيمة والفيء ما يده مع المسلمين" ( ) .

إنّ قبول التعاون مع وجود الخلاف الذي لا يقتضي التفرق لا يعني بالضرورة المطالبة بأعلى صور الاتفاق والتعاون؛ بل المطالبة بدرجة منهما يتحقق فيها الواجب والمندوب، ويزول معها المحذور والمكروه، فإن أعلى صور الاتفاق والتعاون محمودة، ولكنها عزيزة الوجود خاصة وقد بَعُدَ الناس عن نهج النبوة. ومع تخطئة مبدأ:"ترك التعاون مع وجود الاختلاف"، يلزم التنبيه إلى ما يقابله، وهو: أنه لا يدعى إلى التعاون مع كل مخالف بلا شرط وقيد فإن الأصل عدم التعاون مع وجود اختلاف جذري يقتضي التفرق والمفاصلة، كما هو الحال مع أصحاب المبادئ العلمانية أو الاشتراكية أو البعثية أو الفرق الباطنية؛ لأن هذا تعاون على غير البر والتقوى، تقدم فيه المصالح النفعية، وتهضم فيه مبادئ إسلامية وتعطل فيه أحكام شرعية.

لا يعرف كثير من الناس إلا حالتين: إما التعاون الشامل، والوحدة الكاملة، أو التنازع والخصومة والمواجهة، وهذا التصور صورة من صور الجهل وضيق النظر وغياب الحكمة وقلة المعرفة بقواعد الشريعة وأحكامها، فما لا يُدرك كله لا يُترك جله، وقد يُعذر بعض العامة والجهلة على هذا القصور، ولكن اللوم والتثريب يقع على من بيده زمام الأمور والطاعة والتوجيه لفئام من الناس. كيف يحجّر سبل التعاون الواسعة؟ ويحرم غيره من الانتفاع مما شرع الله من المحبة والألفة والتعاون والتقارب والتسامح والعفو والتواضع والإحسان إلى الخلق بإصلاح ذات البين؟

والذين ولاَّهم الله أمر أمتنا المبتلاة يعلمون ذلك ولكنهم لا يعملون، والظاهر أن جعبتهم ما تزال ملأى بالمزيد من التفريط في حق الأمة، والتوريط لها في مزيد من المحن والنكبات، ولا أمل ــ بعد الله ــ إلا في قيادة اعتبارية للأمة الإسلامية، من علمائها ودعاتها، وعامليها ومجاهديها، تكون بديلة للقيادات الشوهاء الرعناء على المدى القريب والبعيد، وهذا لن يكون إلا بأن يصبح الإسلاميون على مستوى رضا الله.

وختامًا أذكر بأمر مهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت