فهرس الكتاب

الصفحة 24298 من 27345

وقد تزوج أحدهم بامرأة أخرى لهذا السبب، فما كان من الأولى إلا أن تزينت وتجملت، فلما دخل الزوج عليها ظنّها امرأة أجنبية من عظم الفوارق بين حالتيها، ودهش حينما رآها بهذا التألق الذي ظن أنها تفتقده، وأخبرها أنه ما كان ليتزوج لو كانت معه على تلك الحال قبل ذلك، ولكن على نفسها جنت براقش.

4-أم الزوجة:

ترسخت لدى كثيرين مفاهيم خاطئة عن أمّ الزوجة (الحماة) استقوها من الصحف والمجلات والمسلسلات، صُوِّرت فيها على أنها امرأة شريرة، تحمل في طبعها الكيد والمكر والخداع، وأن سعادتها منوطة بشقاء زوج ابنتها، وراحتها في تعليم ابنتها أساليب ابتزاز مال الزوج، وتعب بدنه.

والحقيقة أن الواقع خلاف ذلك، فالحماة امرأة فاضلة صالحة تسهر على سعادة ابنتها مع زوجها، وتحرص على قيام ابنتها بكامل حقوق الزوج، وقد تُضَحِّي براحتها لإراحتهما، وهذا لا يعني أن كل حماة بهذه الصفات، بل قد يكون منهن من هي بخلاف ذلك، وهذا غير مستبعد على طبائع البشر، لكن أن تنقلب الأحوال فتصور على غير ما هي عليه في أعم أحوالها، فذلك ظلم لها، وهضم لجميلها، وقل مثل ذلك عن أمّ الزوج.

5-تعدد الزوجات:

تعدد الزوجات أمر مشروع، ولا مجال للنقاش في مشروعيته، وإنه ليخشى على دين من يُناقش في ذلك، ويخطئ أولئك الذين يظنون أن التعدد مباح عند الضرورة، كعقم الزوجة، أو مرضها المزمن، فذلك مما لم يرد به دليل، ولم ينزل به شرع.

ولست الآن بصدد البحث في هذا الموضوع، لكن أعرض منه ما له مساس بموضوعنا (مقومات السعادة الزوجية) وهو حث الرجال والنساء على الاعتدال في مسألة التعدد، والأمر بالتزام المنهج الشرعي فيها.

فمن الأزواج من يتعجل في التعدد، ويقدم على الزواج من غير تبصُّر وتربُّص فيقع في أخطاء فادحة، تُهَشِّم بُنيان السعادة في أسرته.

ومنهم من يجعل الحديث عن التعدد سبيلًا لإغاظة الزوجة، واستفزازها وتهديدها.

ومنهم من لا يراعي في التعدد إلا إشباع الرغبة الجنسية. صارفًا النظر عن الأغراض الشرعية السامية، التي من أجلها شرع التعدد، ومعرضًا عما ينبغي أن يقوم به من العدالة والقوامة والقدرة على القيام بالحقوق، فيكون حاله كحال هذا الشاعر الذي يقول مصورًا ما هو فيه من تعاسة ونكد عيش.

تزوجتُ اثنتين لفرطِ جهلي ... بما يشقى به زوجُ اثنتين

فقلتُ أصير بينَهما خروفا ... أنعم بين أكرم نعجتين

فصرتُ كنعجةٍ تُضحِي وتُمسِي ... تداولُ بينَ أخبثَ ذئبتين

رضا هذه يُهيّجُ سخْطَ هذه ... فما أعرَى من احدى السخطتين

وألقى في المعيشة كلَّ ضُرٍّ ... كذاك الضر بين الضَّرَّتين

لهذه ليلةٌ ولتلك أخرى ... عتابٌ دائمٌ في الليلتين

فإن أحببتَ أن تبقى كريما ... من الخيراتِ مملوءَ اليدين

فعشْ عزبا فإن لم تستطعه ... فواحدة تكفيك شرَّ الضرتين

6-ارتكاب المعاصي بحجة البحث عن السعادة:

وتلك قاصمة الظهور، وجالبة الشرور، قد سرت بين الناس سريان النار في الهشيم، وجاءت تحت قوالب ومسميات أبعد ما تكون عن الإسلام ومنهجه السوي في شأن الزواج، ومن ذلك مثلًا، ما يسمّى"بشهر العسل"تلبيسًا وإيهامًا. ويرتكب الزوجان تحت مظلة هذا الشهر آثامًا من أشدها ضررًا وأخطرها شررًا قضية السفر إلى الخارج، بدعوى السياحة والتفرج، وهي بدعة غريبة يحقق عملنا بها قول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلَكُوا جُحر ضبٍّ لسلكتموه" (1) .

ويحدث خلال السفر ما يَنْدى له جبين المسلم من ضياع الأموال، وتبرج النساء، وارتكاب المحظورات، وهذه هي سعادتهم، شهر واحد فقط، ثم تعاسة دائمة، وبؤس مستمر. أما المسلم فحياته كلها سعادة وبهجة.

ومن ذلك، مشاهدة الأفلام الخليعة، خصوصًا في أول ليالي الحياة الزوجية، أو قراءة المجلات الماجنة، أو استماع الأغاني المحرمة المثيرة للغرائز، أو قيام الزوجة بتضييف أصدقاء زوجها، أو هتكها لحجابها، وغير ذلك من المعاصي التي لا تخفى، والتي تعود بالشؤم والبلاء العاجل والآجل على عش الزوجية (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30) . وكم تفرق شملٌ، وتشتَّت جَمْع، واضطربت بيوتٌ، وطُلِّقت نساء وضيع أولاد، بشؤم المعصية، في وقت يتصور الزوجان أنهما بهذه المعاصي يحققان السعادة والهناء.

7-الهدية:

لعل خير ما يذكر في آخر هذه الرسالة لتحقيق الأهداف التي كتبت من أجلها، مسألة غفل عنها الكثير من الأزواج مع أثرها في تحقيق السعادة ودوام المحبة والألفة، ألا وهي الهدية، هدية الزوج لزوجته وهدية الزوجة لزوجها، وكذلك هدية كل من الزوجين لأهل الآخر، وبالأخص للوالدين، إن الهدية تذهب السخيمة، وتزيل البغضاء، ومهما كانت الهدية بسيطة ويسيرة فإن لها من الآثار النفسية ما يصعب حصره وتعدد مزاياها. فتهادوا تحابوا.

(1) - رواه البخاري (فتح 6/495، 13/300) ومسلم (2669) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت