فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقد أوصى الأئمة - رحمهم الله - أصحابهم بعدم التقليد وأوجبوا عليهم الأخذ بالدليل لأنه الفرض واللازم على جميع المسلمين فمن ظهر له الدليل وجب عليه اتباعه وترك ما عداه قال تعالى { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) } وقد شهد الله تعالى بالهداية لمن أطاع رسوله -صلى الله عليه وسلم كما في سورة النور { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } ومن ترك الدليل لقول أبي حنيفة أو مالك والشافعي أو أحمد فقد خالف الأصل الذي أجمع عليه المسلمون ،قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -"أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد".
وقال الإمام مالك -رحمه الله تعالى -"ليس أحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم - إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي -صلى الله عليه وسلم - وما يفعله بعض الناس من التعصب لإمام مذهب من ينتسبون إليه فهذا مخالف لهدي السلف ومخالف لما عليه أئمة المذاهب فإنهم متفقون على ذم التقليد وذم التعصب فالواجب على المسلم أن ينصر الدليل وأن يأخذ به سواء كان مع المالكي أو الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي أوالظاهري أو مع غيرهم فلم يحصر الله تعالى الحق في هذه المذاهب فاصحابها بشر يخطئون ويصيبون وليسوا بمعصومين من الزلل والخطأ قال الإمام الشافعي - رحمه الله -"ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم - وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أَصلت من ِأصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قلت فالقول ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قولي"."
وقد تنازع الأئمة رحمهم الله تعالى في مسائل كثيرة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والبيوع والطلاق والظهار وغيرها فلم يقل أحد مِن أهل المعرفة والتحقيق أنه يجوز لكل أحد أن يأخذ بما يشاء من هذه المذاهب دون رجوع للأدلة باستثناء المقلد العاجز عن معرفة الدليل .
ولو جاز لكل مسلم أن يذهب إلى ما يهوى ويشتهي من هذه الأقوال والآراء لكان الدين هو هذه المذاهب ولم يكن حينها للكتاب والسنة كبير فائدة . نعوذ بالله من ذلك .
وحينئذٍ أقول بما اتفق عليه المسلمون من وجوب رد المسائل المختلف فيها إلى الكتاب والسنة على فهم أئمة السلف والنظر في أقوالهم واجتهاداتهم وترجيح ما رجحه الدليل .
ومن أمثلة ذلك أن العلماء تنازعوا في أحكام نواقض الوضوء واختلفوا في أكل لحم الجزور ولمس النساء فيما دون الجماع وما يخرج من غير السبيلين في الجسد ويعبر عن ذلك بعض الفقهاء بقوله والخارج النجس من الجسد (1) .
فكان لكل إمام قول في هذه المسألة ، فمذهب الأئمة الثلاثة مالك وأبي حنيفة والشافعي أن لحم الجزور لا ينقض الوضوء ، ومذهب أحمد - رحمه الله - أنه ينقض الوضوء ، واختاره ابن حزم .
والصحيح في ذلك مذهب أحمد فقد صح في ذلك حديثان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدلان على أن لحم الجزور ينقض الوضوء أحدهما حديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم (2) والآخر حديث البراء عند أبي داود (3) والترمذي (4) وغيرهما .
وأما لمس النساء باليد والقبلة ونحو ذلك فقد ذهب الشافعي إلى أن لمس المرأة ينقض الوضوء سواء كان بشهوة أم بغير شهوة .
وذهب أبو حنيفة إلى أن اللمس لا ينقض الوضوء مطلقًا .
وذهب مالك وأحمد في رواية إلى أنه لا ينتقض الوضوء إلا بشهوة .
والمتأمل للأدلة في هذه المسألة يجد أن الأحناف أقرب المذاهب للصواب وهو رواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ، فإنه لم يرد دليل تقوم به حجة يدل على النقض لا بشهوة ولا بغيرها . والبراءة الأصلية دليل من الأدلة يجب اعتبارها فكان مذهب الأحناف أظهر من غيره في هذه المسألة ، وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه يقبل ويخرج إلى الصلاة ولم يذكر أنه توضأ ولم يرد في الحديث أيضًا أن ذلك بدون شهوة فدل على العموم إلا أن في صحة هذا الخبر نظرًا فقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة به وهو معلول لم يسمعه حبيب من عروة (5) . وقد صح في الباب غير حديث والله أعلم
(1) اعلم أن بعض الفقهاء -رحمهم الله يتساهلون في الحكم على الأعيان فيحكمون على مسائل بالنجاسة بدون دليل ولا قياس صحيح وقد تقرر في الأدلة الشرعية أن الأعيان طاهرة حتى تتبين نجاستها وكل ما لم تثبت نجاسته بدليل فهو طاهر كالمني ونحوه والله أعلم .
(2) ج 4/48 نووي .
(3) 2 ) 1/ 315- عون المعبود ) .
(5) انظر جامع الترمذي 1/133 ونصب الراية 1/70-76وتنقيح التحقيق 1/437-442 .