القول الثاني: أن آخره إذا اصفرت الشمس، وما بعده إلى غروب الشمس فوقت ضرورة. وهو مذهب المالكية (32) ، وقول الإمام أبي ثور،والأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ورواية عن الإمام أحمد، وهي أصح عنه (33) ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (34) رحمهم الله.
القول الثالث: أن العصر ليس له وقت ضرورة، بل كله وقت جواز إلى غروب الشمس وهو قول أبو حنيفة (35) .
والراجح هو القول الثاني والدليل عليه حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا: (فإذا صليتم العصر: فإنه وقت ما لم تصفر الشمس) .
أمّا وقت الضرورة فالدليل عليه مجموع حديثين:
الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: (ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) متفق عليه (36) .
والثاني: حديث أنس (رضي الله عنه) قال: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:(تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها) (37) .
فحديث أنس بن مالك رضي الله عنه يدل على أن تأخير العصر إلى قرب غروب الشمس أمر مذموم،وذلك أنه وصف تلك الصلاة التي تصلى في هذا الوقت بصلاة المنافق،لكن من أخرها إليه فصلاته أداء لا قضاء ؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم، وهذا هو وقت الضرورة. ويكون حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما محددًا لنهاية وقت الاختيار وبداية وقت الضرورة.
أما حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) في إمامة جبريل للنبي، وفيه أنه صلى به العصر في اليوم الأول حين كان ظلّ كل شيء مثله، وصلّى به في اليوم الآخر حين كان ظلّ كل شيء مثليه، وفي آخر الحديث قال جبريل: (يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين اليومين) فإنه لا يعارض حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ؛ لأن حديث عبد الله بن عمرو دلّ على زيادة في وقت العصر فوجب الأخذ بها.
وبهذا الترجيح تجتمع الأدلة ولا تتعارض والله أعلم.
وقت صلاة المغرب:
*أجمع أهل العلم على أن أول وقت المغرب إذا غربت الشمس (38) .
*أما آخر وقتها: فاختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: أنه ينتهي بمغيب الشفق الأحمر، وهو قول الحنابلة، والحنفية، وبعض أصحاب الشافعي، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور.
واستدلوا بأدلة منها:
ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا:
(فإذا صليتم المغرب: فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق) (39) .
عن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنهما) عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة ثم أمره يعني: بلالًا(40) ، فأقام المغرب حين وقعت الشمس ) وفي اليوم الثاني: ( أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق) ثم أصبح فدعى السائل: فقال: (الوقت بين هذين) (41) .
والمراد بالشفق الوارد في الأحاديث هو الشفق الأحمر لا الأبيض، والأدلة على ذلك كثيرة:
قوله: (ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق(42) أخرجه مسلم، والثّوَرَان إنما يطلق على الحمرة دون البياض (43) .
قول ابن عمر (رضي الله عنهما) : (الشفق: الحمرة) (44) .
القول الثاني: أنه ليس لها إلا وقت واحد، عند مغيب الشمس، وهوأشهر الروايات عن مالك (45) ، وقول الشافعي.
ودليلهم حديث ابن عباس في إمامة جبريل عليه السلام: وفيه (أنه صلى المغرب في اليومين حين غربت الشمس) (46) .
قال ابن رشد المالكي:
وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد الله بن عمر وذلك أن في حديث إمامة جبريل أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد وفي حديث عبدالله ووقت صلاة المغرب مالم يغب الشفق فمن رجح حديث إمامة جبريل جعل لها وقتا واحدا ومن رجح حديث عبد الله جعل لها وقتا موسعا وحديث عبد الله خرجه مسلم ولم يخرج الشيخان حديث إمامة جبريل أعني حديث ابن عباس الذي فيه أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام عشر صلوات مفسرة الأوقات ثم قال له الوقت ما بين هذين والذي في حديث عبد الله من ذلك هو موجود أيضا في حديث بريدة الأسلمي خرجه مسلم وهو أصل في هذا الباب قالوا وحديث بريدة أولى لأنه كان بالمدينة عند سؤال السائل له عن أوقات الصلوات وحديث جبريل كان في أول الفرض بمكة . (47)
والقول الراجح -والله تعالى أعلم -هو القول الأول لظهور أدلته، أما حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) في إمامة جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه محمول على تأكيد الاستحباب وكراهية التأخير، جمعًا بينه وبين الحديثين المتقدمين وما في معناهما، وعلى فرض التعارض: فإن حديثيّ ابن عمرو وأبي موسى مقدمان ؛ لأنهما متأخران، فيبينان آخر الأمر بالمدينة (48) .
وقت صلاة العشاء:
*أجمع أهل العلم على أن وقت العشاء يبدأ بمغيب الشفق (49) ، والمراد بالشفق هو الحمرة على الأرجح من قولي العلماء كما سبقت الإشارة إليه.
*أما آخر وقت العشاء ففيه خلاف قوي:
القول الأول: أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر.
القول الثاني: أن وقت العشاء ينتهي بانتصاف الليل.