القول الثالث: بالتفصيل ؛ فوقت الاختيار ينتهي بانتصاف الليل، وما بعده فوقت ضرورة إلى طلوع الفجر.
وسبب الخلاف في ذلك: تعارض الاثار ففي حديث إمامة جبريل أنه صلاها بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني ثلث الليل وفي حديث أنس أنه قال أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل خرجه البخاري وروي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل وفي حديث أبي قتادة ليس التفريط في النوم إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى (50) .
والراجح-والعلم عند الله - هو القول الثاني: أنه ينتهي بانتصاف الليل، وليس له وقت ضرورة، وهو قول ابن حزم (51) (رحمه الله) وبعض الشافعية (52) وبعض الحنابلة (53) ، واختاره من العلماء المعاصرين الشيخ ابن عثيمين (حفظه الله) (54) .
والدليل عليه: حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: (فإذا صليتم العشاء: فإنه وقت إلى نصف الليل) أخرجه مسلم.
واستدل القائلون بأن ما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر وقت للعشاء إما وقت اختيار، أو وقت ضرورة بحديث أبي قتادة (رضي الله عنه) أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) (55) .
فقالوا: إن هذا الحديث يدل على أن كل وقت متصل بالآخر، وعليه: فإن وقت العشاء لا يخرج إلا بدخول وقت الفجر.
والجواب عن هذا الاستدلال أن يقال: إن حديث أبي قتادة عام مخصوص بغيره، فكما خصّ منه وقت الفجر فإنه غير متصل بالظهر بالإجماع (56) ، فكذا يُخَصّ منه أيضًا وقت العشاء بالسنة، كما سبق في حديث عبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما) الذي يدل على انتهاء وقت العشاء بانتصاف الليل.
وهنا ثلاثة تنبيهات:
الأول: يتوهم كثير من الناس أن الليل ينتصف عند الساعة الثانية عشرة، وهذا تصور خاطئ، والصواب: أن انتصاف الليل يُعرف بمضي نصف الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فإذا كانت الشمس تغرب الساعة السادسة، والفجر يطلع الساعة الرابعة، فإن نصف الليل يكون الساعة الحادية عشرة تمامًا، وبه يخرج وقت العشاء.
الثاني: يؤخر بعض الناس وخاصّة النساء صلاة العشاء إلى ما قبل النوم، ويكون التأخير في بعض الأحيان إلى ما بعد نصف الليل، وهذا خطأ كبير ينبغي التنبّه له وتحذير الآخرين منه.
الثالث: أن راتبة العشاء وهي ركعتان بعد العشاء يخرج وقتها بانتهاء وقت العشاء، وبعض الناس قد يؤخرها إلى آخر الليل، وحينئذ يكون فعلها قضاءً لا أداءً (57) .
وقت صلاة الفجر:
أجمع العلماء على أن وقت الفجر يدخل بطلوع الفجر الثاني (58) .
قال ابن قدامة (59) : (وهو البياض المستطيل المنتشر في الأفق، ويسمّى الفجر الصادق) .
ويخرج وقت الفجر بطلوع الشمس، لدليلين:
الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس) أخرجه مسلم.
الثاني: عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أدرك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) متفق عليه.والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.
الخاتمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
وبعد:
فهذا ما يسر الله لي تناوله من هذه الآية العظيمة، وسمح به الوقت، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان والله ورسوله منه بريئان.
والله أعلم وصلى اله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
(1) تعظيم قدر الصلاة 1/86
(2) البخاري (25) ، ومسلم (22) ، وأبو داود (1556) ،و الترمذي (2606) ،والنسائي (3095) ، وابن ماجه (71) وغيرهم.
(3) النساء: 103
(4) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم، ص 56 58
(5) لذلك فقد اعتنى علماء التفسير بهذا في كتبهم فتجدهم يذكرون هذا في ثنايا تفسيرهم، بل قد أفرده بعضهم بالتصنيف من أشهر من كتب في هذا هو برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفى سنة (885) . وهو المعروف بعلم المناسبات.
(6) نظم الدرر11/491.
(7) أحكام القرآن 10/196.
(8) طه (14)
(9) الأنعام (72) .
(10) العنكبوت (45) .
(11) أخرجه أحمد 6/26، الزهد لابن المبارك ج1/56. وغيرها.
(12) تفسير السمعاني ج3/ص267
(13) المحرر الوجيز 3/477.
(14) مجموع الفتاوى لابن تيمية 15/11
(15) أحكام القرآن للقرطبي 10/196
(16) راجع القرطبي 10/198.
(17) تفسير البغوي ج3/ص128
(18) تفسير ابن كثير ج3/ص55 بتصرف.
(19) أحكام القرآن للقرطبي 10/196
(20) التسهيل لعلوم التنزيل - الكلبي 2/177.
(21) تفسير السعدي 1/465
(22) المغني 1/224
(23) أخرجه مسلم (611-612) ،والبيهقي في الكبرى (1612) وغيرهما.