أما الهدف فقد تحقق؛ ولا أحد الآن يجهل أن حصيلة المؤامرة العالمية اليهودية الصليبية الرهيبة تَكَشَّفتْ عن احتلال كامل لكل ديار المسلمين، كما تكشفت عن تجزئة مخيفة لبلاد المسلمين. هذا شيء لا يجهله أحد؛لكن الشيء الذي يجهله أبناء الجيل أن كثيراً من المفاهيم وكثيراً من الأفكار والمعتقدات التي يرونها الآن حقائق مسلمة؛ هي صناعة أجنبية موجهة لكي تكون لغماً يفجر جسم هذه الأمة، ولعل شبابنا المثقف والمثقف جداً يستغرب هذا الكلام لكن سأضرب مثلاً نافعاً يساعدنا على فهم أبعاد المؤامرة كما يعيننا على أن نضع أقدامنا بسلام على أول الطريق؛ لا تكاد اليوم تجد بين الشباب المثقف التقدمي من هو مستعد للمناقشة في قضية علمانية الدولة وفي فصل الدين عن الدولة هذا كلام يعتبره التقدميون ألف باء العمل السياسي والعمل الاجتماعي شيء لا يناقش، لكنا نريد أن نتساءل هل كلف هؤلاء الإخوة المثقفون جداً أنفسهم مؤونة السؤال أين نشأ هذا الكلام وماذا يراد من هذا الكلام وهل كلفوا أنفسهم مؤونة البحث عن نتائج تطبيق هذا الكلام في بلاد المسلمين؟
هذا هو السؤال أما نشأة هذا الكلام فليس عندنا بل في ديار الغرب، وفي ظل حكم كنسي متآمر، ضالع مع الطبقات المستغلة على حساب الفقراء والمعدمين، وكذلك حكم اتسم برجعية عاتية شديدة تعادي العلم والعلماء، وتحرقهم وهم أحياء؛ ولكن لنتساءل هل الكنيسة حينما كانت تحكم باسم المسيح عليه السلام كانت تَصْدُرُ في نظمها وفي منهاجها عن قواعد يرجع إليها في صلب الإنجيل نقول لا، لأن الإنجيل لا يعدو أن يكون مجموعة من الوصايا والحكم والمواعظ ولا يحتوي شيئاً من التشريعات والنظم، ومنذ نشأة المسيحية؛ والمسيحيون يحكمون بقوانين الرومان أو بقوانين المسلمين أو بقوانين أية دولة يخضعون لها؛ فالمسيحية حينما تجرد عن ممارسة شؤون الحكم وتوجيه الحياة الاجتماعية تُجَردُ من شيء ليس لها فيه حق وتعاد إلى مكانها الطبيعي، وأما الإسلام فرسالة ذات نظام حينما يطلب منها أن تفعل هذا الشيء فإنما يطلب منها أن تمزق أوصالها، وأن تقطع هذه الرسالة تقطيعاً مع ذلك إلى هنا نريد أن نسلم مع إخوتنا بأن الكلام صحيح وبأن الذي ينبغي أن يكون هو هذا لنتساءل عن النتائج وأحب أن تظل هذه الواقعة ماثلة في الأذهان وأن يفكر فيها بأمانة بدقة من قبل الخصوم ومن قبل الأصدقاء على السواء، أنا لا أخشى على الإسلام لو أن أهل الأرض جميعاً أطبقوا على إماتة الإسلام فلن يحصلوا على شيء؛ كل عملهم باطل الأباطيل وقبض الريح، ولكن لكي تتجنب الأمة آلاماً ومتاعب لا مبرر لها، ولكي توفر على نفسها دماء لو بذلت في غير هذا المكان لكان خيراً وأجدى من أجل مصلحة الخصوم بالذات.
أقول هذا الكلام عليهم أن يفكروا؛ حينما أعيدت المسيحية إلى حظيرة العلمانية حافظت الكنيسة على استقلالها، وفي الواقع فإن الكنيسة في كل بلد في الدنيا لها استقلال مقرر ومعترف به، وكدليل مادي أقول لكم إنكم في كل بلاد الإسلام تسمعون أن المدرسين الدينيين وخطباء المساجد يتعرضون للجرجرة والاستجوابات، ولكن القسس والرهبان لا يتعرضون لشيء من هذا؛ وفي كل بلاد الدنيا يجول المخبرون في المساجد؛ ولكنهم لا يدخلون الكنائس لماذا؟ لأنّ الكنيسة لها استقلال مقرر ومعترف به كذلك الكنيسة لها دولة هذه الدولة لها سفراؤها ولها تمثيلها السياسي في دول الأرض جميعاً فهي تدافع عن حقوق الكنيسة في كل مكان لايغضبن أحد، هذه حقائق لا مجال لنكرانها، كذلك فالكنيسة لها مدارسها ولها صحفها ولها كتبها ولها منشوراتها، تنشر وتوزع وتدرس بلا حرج؛ لأنها تعمل في الميدان المتفق عليه وأما في الإسلام، فتعالوا وانظروا ماذا ينتج عن التطبيق؟ الذي نتج عن التطبيق بالضبط هو أننا أنكرنا على الإسلام حق العيش، أنكرنا على الإسلام حق الدعوة إليه، أنكرنا على الإسلام حق الكتابة وترويج الأفكار، أنكرنا على الإسلام حق إنشاء المدارس لتعليم الأبناء حقائق الدين إلا في الحدود التي ترضي الأنظمة الحاكمة لا أكثر أبداً، وهذا شيء مهين بل هو شيء خطير؛ إذا كانت الكنيسة بعلمانيتها حفظت كرامتها وخصصت لنفسها مجالها الذي هو لها وحفظت كرامة رجالها؛ فنتائج التطبيق عندنا أعطت نتائج رهيبة بل نتائج مخزية أصبح على الخطيب وهو يخطب على المنبر أن يحسب ألف حساب؛ حقائق التنزيل لا قيمة لها كلام الله شيء يجب أن لا ينظر إليه سنن النبي صلى الله عليه وسلم شيء لا معنى له الشيء الذي يجب أن ينظر إليه الخطيب؛ أن يرضي الجهات الحاكمة والشيء الذي يجب أن يحسبه الخطيب أن يحمي ظهره من بضع جلدات إذا هو خرج وتعرض لسياسة العصا الغليظة هذا العمل الذي مورس في ديار المسلمين وروج له في بلاد المسلمين كان عملاً موجهاً ضد الإسلام بالذات ضد رسالة الإسلام بالذات، فترون أن الآثار التي نتجت عن تطبيق هذا النهج في بلاد المسيحية غير الآثار التي نتجت عنه في بلاد الإسلام هنا في بلاد الإسلام.