ولكن هذه الدراسة التحليلية على ما أعطت من فوائد وعلى ما رأى لها كثير من الإخوة من ميزات؛ في نظري ناقصة والذين يهتمون للمنهج يجب أن يعيشوا معي دقائق قليلة؛ هذا القرآن كتاب ولا كالكتب وكلام ولا كالكلام كتاب الله وكلام الله الذي يعلم الخبء في السموات والأرض؛ كيف ترى هندسة الكون؟ كيف ترى هذا التناسق البديع؟ كيف ترى أن هذا الكون لا يوجد فيه شيء ألغيت فائدته بحال، كذلك هذا الكتاب له طابع الهندسة الكونية بالذات كل كلمة فيه بمعنى كل حرف فيه لغرض، ولكنه كله يتعاون كتعاون أعضاء البدن الحي لأداء الوظيفة الحيوية التي يهدف إليها هذا الدين، وحين نقرأ في القرآن الكريم وفي المرحلة التي حددناها والتي تمتد سنتين ونصفاً أو ثلاث سنوات من عمر الدعوة نجد القضايا تتكرر في السورة الواحدة عدة مرات، الأمر بالصبر مثلاً يتكرر في السورة عدة مرات تارة بالأمر الصريح وتارة بضرب المثل وتارة بسياقة قصة؛ ويتكرر كذلك في السور المتعددة لماذا..؟ كذلك هنالك مواطن ذات طبيعة محددة تستطيع أن تستنتجها وأنت تدرسها؛ موقف أبي جهل من الرسول صلى الله عليه وسلم في أول الدعوة حين اكتشفه وهو يصلي فنهاه، ومواقف أخرى تتكرر لكنها أوسع نطاقاً وأشمل رقعة؛ هل نستطيع أن نأخذ نصاً من أية سورة كيفما اتفق ونخرج بنتيجة وحكم صائب، لا. هذه خيانة علمية لا أكثر ولا أقل. تحصل بين أيدينا شيء من الأفكار وكانت هذه الأفكار مخالفة لما ألف الناس في العمل الإسلامي حتى تاريخه أدناه ومعذور كل إنسان حينما يدافع عما ألف لكنه ليس معذوراً أبداً في أن يصم أذنيه عن نداء الحقيقة أبداً إذا كان يريد أن يدافع فمع الدفاع يجب أن يكون هنالك توطين للنفس على البحث والتحري والتقصي وبعد وجود القناعة على الإنسان أن يتخلى عما كان عليه وإن عدمت القناعة فله ملء الحق في أن يظل مدافعاً عما هو قانع به.
أريد أن أقول لكل الإخوة إننا على أبواب اكتشافات خطيرة في مجال العمل الإسلامي إننا على أبواب اكتشاف نظرية كاملة ومتكاملة للعمل الإسلامي ولقد سبق في المرحلة الماضية من أحاديثنا أن تعرضنا لقاعدة من قواعد العمل الإسلامي وهي قاعدة رفض العنف في مجال الدعوة وأثار هذا الكلام وأثارت هذه الفكرة ردود فعل شملت القطر كله بين مؤيد وبين راد وما أبهت لمن أيد ولا انزعجت لمن رد ولكني أطمئن الإخوة جميعاً إلى أن عليهم أن ينتظروا ما هو أكثر؛ نحن نعيش مرحلة من أخطر المراحل بل نعيش مرحلة تحدد مستقبل الأمة إلى مئات السنين.
وأية خيانة في الفكر، وأية خيانة في العمل سوف تنعكس آثارها على أجيال لا يحصيها إلا الله؛ إننا سوف نواجه ليس قضية رفض العنف فقط، سوف نواجه أيضاً رفض مبدأ السرية في العمل فهذا الإسلام علانية كذلك سوف نواجه ما هو أشد أنه لا تعاون فالمسلم الذي يريد أن يرسخ دعائم الإسلام لا ينبغي له أن يتعاون مع المجتمع الجاهلي بحال. هنالك أمور كثيرة قد تقنعون بها عقلاً ولكنكم ترفضونها عملاً لما لها من تكاليف إلا أن العمل الإسلامي يجب أن يأخذ هذا الطريق بلا مجاملة وبلا مداورة وبلا تهرب هذه لا نقولها تشهياً ولكننا نقولها قناعة عبر عمليات طويلة من البحث والدرس والتقصي وسوف نواجه أن الإسلام ليس خمولاً ولا قعوداً وليس دوراناً حول الذات، وإنما هو حركة دائبة وعمل يتعاون فيه المجموع وأن المسؤولية تنصب على الناس جميعاً، وأن الأطر الحزبية في العمل لن تجدي شيئا، وأن للأمة أن تراجع هذا الطريق وأنه عليها أن تأخذ نفسها بأن يقنع بعضها بعضاً؛ لأن المصير المشترك للمسلمين جميعاً في كل بقاع الأرض يحتم عليهم عملاً مشتركاً يشترك فيه المسلمون في كل بقاع الأرض أن يريدوا ذلك لمصلحة حزبية لا أن يريدوا ذلك لمصلحة شخصية؛ لا وإنما فقط لكي نضع الحقائق أمام الأعين توفيراً لآلام لا مبرر لها، توفيراً لمتاعب لا ضرورة لها، توفيراً لدماء يجب أن توفر لكي تكسب في الميدان الصحيح، هذا الإسلام كما قلت لكم لو تعاون الناس جميعاً على قتله وعلى إماتته لن يبلغوا منه شيئاً فالإسلام بفضل الله، خانه ناس كثيرون خانه علماء، وخانه حكماء، وخانه حكام وخانه وخانه... وذهب كل أولئك متبوعين بلعنة الله والناس والملائكة أجمعين وبقيت حقيقة الإسلام ناصعة نقية لم تعلق بها ريبة ولم تلحقها شائبة.