فهرس الكتاب

الصفحة 26304 من 27345

التصور الأول: إن هناك من يقول أن الواقع الذي نعيشه إنما هو من اختلاف التنوع لا التضاد ، وأن ما يحصل في الساحة الإسلامية إنما هو في الواقع اختلاف في الاجتهادات والأدوار فقط ولا نعتبره اختلاف تضاد . ولا أظن أن هذا يتفق مع الواقع الملموس ، فنحن نجد صراعاً وتهارجاً واختلافاً، وتجد من يعتقد أن التيار الآخر إنما هو عدو للإسلام ويفسد أكثر مما يصلح ولا يمكنه أن يطرح حلاً عملياً لمشاكل الأمة !!

إذن لا أظن أن المتأمل لما يحدث في الساحة من صراع يوافق على أن الواقع الذي نعيشه واقع اختلاف تنوع بل هو اختلاف تضاد وتهارج . كما أن القضية ليست مجرد اختلاف اجتهادات بل يتجاوز الأمر حين نجد أموراً مما لا يسع الخلاف فيها مطروحة أحياناً عند بعض فصائل العمل الإسلامي وهي بحاجة إلى مراجعة ومناقشة ولا يمكن أن نضعها ضمن دائرة ما يسع فيه الاجتهاد .

التصور الثاني: هو من يقول أن هذه الفرق أو الجماعات ينطبق عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة ـ رضي الله عنه ـ: (( دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها … إلى أن قال حذيفة: فما تأمرني ؟ قال اعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) )ويطبق على هذه الفرق والجماعات قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ) )ويرى أن الحل هو اعتزال تلك الفرق والطوائف والعمل لوحده معتزلاً لتلك الفتن .

التصور الثالث: هو من يدعو إلى الوحدة من خلال توجه أو تجمع معين ، وهو طرح واسع في الساحة؛ ذلك أن تأتي جماعة تذم الواقع المعاصر والتعددية المعاصرة ، وترى أنها مرض ينبغي التخلص منه، ولا بد أن يتفق الجميع لكن على ماذا ؟ إننا نرى كماً من الجماعات تدعو إلى الوحدة والاجتماع لكن تحت رأيها وتجمعها وما تراه هي منهجاً، وهذا ليس بالطرح العملي الواقعي ولا يمكن أبداً أن تطالب فصائل من العمل الإسلامي التخلي عن برامجها وأطروحاتها لتستجيب لنداء شخصٍ آخر لا يريد أن يتحول نداؤه إلا محاولة للكسب أكثر من أن يكون طرحاً للوحدة .

تلك هي ثلاث أطروحات تطرح للوحدة وأظنها بحاجة إلى إعادة نظر ، لكن أليس هناك من تفكير آخر واقعي يأخذ في الاعتبار مشكلات الواقع المعاصر من منطلق شرعي مقدماً حلولاً عملية لا مثالية يمكن تحقيقها على أرض الواقع ؟

إن هذا هو ما يجب أن نقوم به ، لذلك أرى أولاً: أن الوحدة التنظيمية الحركية أمر قد يستحيل في المرحلة المعاصرة ، وأن العددية قد تكون مقبولة حين تتجاوز الأمراض والمشكلات التي تعاني منها . إننا في ما سبق من الحديث ننتقد أوضاع التعددية لا باعتبار ذاتها ولكن باعتبار الواقع المعاصر . وحينما نطرح حلاً عملياً واقعياً فإننا ينبغي أولاً: أن لا نطالب الفصائل الإسلامية بالتخلي عن البنية التنظيمية لها ، أو أن نطالب الحركات الإسلامية والفصائل الإسلامية أن تصب في بوتقة حركة واحدة ، فإن هذا ربما أدى إلى بعض السلبيات . ألا يمكن أن تقدم الوحدة من خلال ترشيد التعددية المعاصرة أو على الأقل تقليص مجالات الخلاف ، فإن هذا مطلب أول بحد ذاته .

المطلب الثاني: أن تتحول القضية من اختلاف تضاد إلى اختلاف تنوع وهذا يمكن أن يتم من خلال البرامج الآتية:

أولاً: محاولة الوصول إلى منهج واضح لأهل السنة والجماعة ، يمكن أن يفهمه الجميع بلغة العصر كأن يدور حوار أو أن يطرح برنامج أو توضع ثوابت للعمل الإسلامي يرى منه خلالها أن الحركة الإسلامية تكون حركة مقبولة وداخلة ضمن إطار الطائفة الناجية المنصورة ، فتلتزم بتلك الثوابت ومتى ما خرجت عنها كانت خارجة عن إطار الطائفة الناجية وبالتالي الخروج عن منهج أهل السنة والجماعة ، ونحن نتفق جميعاً أن منهجاً لا يسير وفق منهج أهل السنة والجماعة منهج محكوم عليه بالفشل والبوار ولا يمكن أن يحقق التغيير ؛ فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها .

ثانياً: أن نصل إلى طرح علمي واقعي للثوابت التي لا يسع الخروج عليها والتي حين نجد فصيلاً من فصائل العمل الإسلامي قد خرقها وخالفها فقد خرج عن هذه الدائرة، لكن يجب أن نفرق بين قضيتين بين أصول وثوابت لا يسع الخروج عليها وبين اجتهادات الأمر فيها واسع ، فهناك من يطرح برامج طموحة وعلمية ، لكنه يرى أن الاجتهادات التي توصل إليها ملزمة للآخرين وأنها مواصفات ينبغي أن يتصف بها التيار الإسلامي حتى يكون تياراً مؤهلاً للتغيير .

وحينئذ سنعود إلى المشكلة الأخرى وهي الدعوة إلى الوحدة من خلال تيار وتوجه معين .

ثالثاً: السعي إلى وحدة المواقف قدر الإمكان ، والتنسيق على الأقل من داخل القطر الواحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت