7)أنهم: جعلوا له أبناء كما أن للمخلوق أبناء جاء في (سفر التكوين) : (وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا) (29)
وحكى الله -عز وجل- عنهم أنهم جعلوا له ابناً فقال: (وقالت اليهود عزيز ابن الله ) (30)
ثانياً:- موقف النصارى
لقد ضلت أمة النصارى في هذا الباب ضلالاً بعيداً، ولعل أمة من الأمم لم تضل في دينها وربها وإلهها كما ضل الذين قالوا إنا نصارى. ولا عجب فالضلالة صفتهم المميزة لهم، كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضُلاّل ) (31) قال ذلك في تفسير قول الله -عز وجل- (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) (32) ولعل من أعظم ضلالهم في باب توحيد الله وصفاته أنهم:
1)شبهوا المخلوق بالخالق:
وأضفوا عليه من الصفات والخصائص مالا يليق إلا بالله عز وجل، ولا يصلح إلا له سبحانه. فوصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، فقالوا: (إنه يخلق ويرزق و يغفر ويرحم الخلق ويثيب ويعاقب) (33) إلى غير ذلك من خصائص الربوبية و خصائص الألوهية التي لا تكون إلا لله سبحانه، وذلك أن هذه الأمة الضالة، جعلت المسيح -عليه السلام هو الله ، كما ذكر الله عز وجل قولهم هذا وكفَرهم به فقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ....) (34)
وتارة جعلوه ابناً لله، سبحانه وتعالى عما يقول المبطلون، وعن قولهم هذا يقول الحق تبارك وتعالى: (وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون) (35)
وقالوا تارة أخرى: إنه شريك لله وجزء من ثلاثة يتكون منها الإله كما ذكر الله قولهم هذا وكفرهم به أيضاً فقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم) (36)
فألّهوا المسيح عليه السلام وجعلوه شريكاً لله، وعبدوه من دونه ، بل وصفوه بأخص صفات الألوهية والربوبية من الخلق والرزق والأحياء، والإماتة، وبذلك فارقوا عباد الأصنام والأوثان الذين قالوا في معبوداتهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (37) ، ولم يضيفوا إليها شيئاً من خصائص الربوبية كالخلق والرزق ونحو ذلك، بل أقروا بكل ذلك لله وحده كما قال -عز وجل-: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون) (38)
(ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون) (39) (ولئن سألتهم مَن نزل مِن السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولُنّ الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون) ) (40) (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل - الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون) (41)
أما هؤلاء فلئن سألتهم عن شيء من ذلك ليقولُن المسيح ، فهو عندهم الإله الخالق المحي المميت، باعث الرسل، ومنزل الكتب، حكى الإمام ابن القيم عنهم أنهم قالوا:"وليس المسيح عن طوائفنا الثلاثة (هكذا) بنبي ولا عبد صالح ، بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم، ومؤيدهم ورب الملائكة" (42)
وفي قرارهم الذي قرروه في (مجمع نيقية) (43) الذي عقدوه سنة 325م وسموه بـ (الأمانة) ونصّوا فيه على ألوهية المسيح عليه السلام، صرّحوا بأنه هو الذي سينزل للقضاء بين الناس يوم القيامة لمحاسبتهم ومجازاتهم فقالوا:"وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء" (( 44) يقول أحد قساوستهم في رسالة إلى أبي عبيدة الخز رجي (45) ، مصرحاً بألوهية المسيح، وأنه خالق السماوات والأرض:"أما بعد حمد الله الذي هدانا لدينه، وأيّدنا بيمينه، وخصّنا بابنه ومحبوبة، ومدّ علينا رحمته بصلبه المسيح إلهنا، الذي خلق السماوات والأرض، وما بينهن، والذي أمدّنا بدمه المقدس، ومن عذاب جهنم وقانا " (46) وقال مخاطباً أبا عبيدة داعياً إياه للإيمان بألوهية المسيح الخالق:"وما عقائدكم كلها إلا حسنة، وكان عندكم عدل كثير في أصل دينكم، وخير شامل، فهل آمنتم بالمسيح وقلتم:"إنه هو الله خالق السماوات والأرض لكمل إيمانكم" (47) وهكذا نرى النصارى يصفون المسيح عليه السلام بصفات الربوبية المختصة برب العالمين عز وجل ، وهذا أمر انفردوا به من بين العالمين."