فهرس الكتاب

الصفحة 26403 من 27345

ولم يقتصر الأمر على المسيح عليه السلام، بل جعلوا لغيره من الخلق بعض صفات الله تبارك وتعالى. فجعلوا مريم -عليها السلام- آلهة؛ لأنها أم الله بزعمهم، ووصفوها بالجلوس على العرش مع الله عز وجل، وسألوها ما لا يُسأل إلا من الله عز وجل، يقول الإمام ابن القيم:"وأما قولهم في مريم! فإنهم يقولون: إنها أم المسيح ابن الله ووالدته في الحقيقة ... وإنها على العرش جالسة عن يسار الرب تبارك وتعالى والد ابنها، وابنها عن يمينه. قال: والنصارى يدعونها، ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر ومغفرة الذنوب" (48) وهذه الأمور لا يملكها إلا الله -عز وجل- ولا يُسألها إلا هو سبحانه. ولقد أشار القرآن الكريم إلى قول النصارى بألوهية مريم في قوله تبارك وتعالى مخاطباً عيسى عليه السلام: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب) (49)

بل خصوا كنائسهم وبابواتهم ومطارنتهم ببعض خصائص الله -عز وجل- كمغفرة الذنوب ودخول الجنة والحرمان منها؛ ففي المجمع الثاني عشر من مجامعهم المعقود في سنة 1215/ قرروا: (أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء) (50) وبناء على هذا القرار قامت الكنيسة بإصدار ما يُسمّى ( صكوك الغفران) .

يقول أحد قسسهم في هذا: (وقد جعل الله في أيدي المطارين ما لم يجعله في يد أحد، وذلك أن كل ما يفعلون في الأرض يفعله الله في السماء، فإذا أذنبنا فهم الذين يقبلون التوابات ويعفون عن السيئات بأيديهم صلاح الأحياء والأموات(51) ماذا أبقوا لله عز وجل؟

2)ومن ضلالهم في هذا الباب أيضاً أنهم نسبوا إلى الخالق -عز وجل- وتنقّصوه، وذلك من وجهين:

الأول:- قولهم: إنه اتخذ ولداً. حيث قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قال تعالى: (وقالت النصارى المسيح ابن الله) (52)

وقد نزه الله -عز وجل- نفسه عن اتخاذ الصاحبة والولد فقال: (وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون) (53)

وقال سبحانه: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إدّا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا أن دعوا للرحمن ولداً وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً) (( 54) ، فأنكر قولهم، ونزه نفسه عن أن يكون له ولد وبيّن سبحانه في آية أخرى أن الولد لا يكون إلا من صاحبة، وهو سبحانه لا صاحبة له. فقال عز وجل: (بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ) (55)

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ( أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: الولد إنما يكون متولداً عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء فلا صاحبة له ولا ولد ) (56)

وقد بين سبحانه في الحديث القدسي، أن من نسب إليه اتخاذ الولد فقد شتمه وسبه بقوله ذلك. ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً) (57)

الثاني: زعمهم أن الله سبحانه وتعالى عن قولهم علواً كبيراً ( نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنساناً وحبل وولد من مريم البتول وقتل وصلب) (58)

وقال القس القوطي في رسالته إلى أبي عبيدة الخزرجي يشرح فيها مذهبه: (....فهبط بذاته من السماء منها حجاباً كما سبق في حكمته ) (59)

يقول الإمام ابن القيم: ( .... إن هذه الأمة - أي: النصارى ارتكبوا محذورين عظيمين، لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة، أحدهما: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءاً منه، وإلهاً آخر معه، وأنفوا أن يكون عبداً له.

والثاني:- تنقّص الخالق وسبّه ورميه بالعظائم، حيث زعموا أنه سبحانه، وتعالى عن قولهم علواً كبيراً - نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة وأقام تسعه أشهر يتخبط بين البول والدم و النجو (60) وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعاً صغيراً يمص الثدي

ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه، وصفعوا قفاه، وصلبوه جهراً بين لصين وألبسوه إكليلاً من الشوك، وسمروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام، هذا هو الإله الحق الذي بيده أُتقنت العوالم وهو المعبود المسجود له.

ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه وتعالى، ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم )

وذُكِر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال فيهم:"أهينوهم ولا تظلموهم فلقد سبوا الله عز وجل مسبة ما سبّه إياها أحد من البشر" (61)

وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من قول معاذ بن جبل رضي الله عنه (62)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت