فهرس الكتاب

الصفحة 26404 من 27345

ثالثاً: موقف المسلمين

أما هذه الأمة المسلمة فقولها في هذا الباب هو ما جاء به المرسلون من توحيد الله وإفراده بالعبادة.

فآمنت بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله غيره، ولا رب سواه، هو رب العالمين، وخالق الكون، ومدبره (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) (63)

ونزهوه سبحانه عن الأنداد، واتخاذ الصاحبة والأولاد، تصديقاً لقوله تعالى عن نفسه: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ) (64) وقوله: (قل هو الله أحد الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد) (65) ، وقالوا كما قال مؤمنو الجن: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) (66)

ووصفوه سبحانه بصفات الكمال والجلال، ونزهوه عن جميع صفات النقص، كما نزهوه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات (67)

ولم يصفوه إلا بما وصف به نفسه سبحانه، أو وصفته به رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، من غير تعطيل ولا تمثيل.

فلم يشبهوا شيئاً من خلقه به، لا في ذاته ولا في شيء من صفاته، ولم يجعلوا له نظيراً أو نداً أو مثيلاً أو شريكاً في شيء من خصائص ألوهيته وربوبيّته - كما صنع النصارى - بل نزّهوه سبحانه عن الشبيه والنظير والكفء والند والمثيل (68)

وإذا تأملت سورة الإخلاص وجدت بها صفات الكمال لله -سبحانه وتعالى- وهو أنه المنفرد بها وحده دون ما سواه قال تعالى: ( قل: هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) (69)

ففي هذه السورة وصف الله سبحانه نفسه بأنه أحد صمد، فهذان الوصفان يدلان على اتصاف الله بغاية الكمال المطلق (70)

وذكر أبوهريرة في معنى الصمد"إنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد) (71) "

ومن خلال قول أبي هريرة في معنى الصمد يدل على الإثبات والتنزيه، فالإثبات بوصفه سبحانه وتعالى بأنه هو الذي يُصمد إليه أي يُرجع في كل أمر، وذلك لأنه هو المتصف بجميع صفات الكمال، فهو القادر على كل شيء، والفعّال لما يريد والذي بيده الخلق والأمر والجزاء وما من قوة لغيره تعالى إلا بهيمنة منه إذا شاء أبقاها ومتى شاء سلبها، فالمرجع والمراد إليه سبحانه (72)

وأما التنزيه، فبوصفه تعالى بأنه غني عن كل شيء فلا افتقار فيه بوجه من الوجوه، لا في وجوده فإنه الأول الذي ليس قبله شيء وهو الذي لم يلد ولم يولد، ولا في بقائه؛ فإنه الذي يطعم، ولا في أفعاله فلا شريك ولا ظهير) (73)

كما أن وصفه سبحانه بأنه أحد صمد يدل على اتصافه بالكمال المطلق فكذلك يدلان على معنى آخر وهو نفي الولادة والتولد عن الله سبحانه، فإن الصمد جاء في بعض الأقوال بأنه لا جوف له ولا أحشاء، فلا يدخل فيه شيء فلا يأكل ولا يشرب سبحانه وتعالى كما قال تعالى.

(قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهو يُطِعم ولا يُطعَم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونَنّ من المشركين) (74)

وقال تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) (75)

فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له ولا نظير فيمتنع أن تكون له صاحبة.

والتولّد إنما يكون من شيئين.

قال تعالى: (بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) (( 76)

وفي هذا سلب عن المخلوق مكافأته ومماثلته للخالق ومثال ذلك قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) (77)

أي يعدلون به غيره فيجعلون له من خلقه عدلاً، ومثال هذا قوله تعالى: (رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً) (78) أي لا شيئاً يساميه ولا نداً ولا عدلاً ولا نظير له يساويه، فأنكر التشبيه والتمثيل وبهذا يتبين لنا تنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجب لذاته، كما دلت على ذلك سورة الإخلاص (79) .

الهوامش

1-سورة النحل آية 36

2-سورة الأنبياء آية 25

3-سورة المؤمنون آية 23 ، الأعراف آية 85،73،65

4-أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء ، باب ( واذكر في الكتاب مريم ) ج6/478

5-فتح الباري (ج6 / 489)

6-تفسير ابن كثير ( ج7 / 183)

7-سورة المائدة ، آية 48

8-سورة آل عمران آية 19

9-سورة آل عمران آية 85

10-وسطية أهل السنة بين الفرق ص (243،242)

11-سورة الأعراف آية 138

12-سورة الأعراف آية 139-140

13-سورة الأعراف آية 148

14-سورة البقرة آية 51

15-سورة طه الآيات من 88-85

16-انظر: العهد القديم ، سفر الخروج إصحاح 32 فقرة1-6

17-الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (ج3/ 247)

18-هو رحبعام ابن سليمان عليه السلام ملك بعد أبية

19-سفر الملوك الأول ، إصحاح 12 فقرة 28 - 29

20-إصحاح 18 فقرة 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت