أليس الواجب الشرعيّ علينا أن نطيع الله ورسوله ، فنبلّغ دعوته ورسالته ، أَليس الواجب الذي يفرضه العقل أيضاً أن نسعى جهدنا لإنقاذ الناس ! أليس الواجب الذي تفرضه المروءة والحق والعدل الذي نتغنى به أن نسارع لإنقاذ البشريّة من هلاك في الدنيا وهلاك في الأخرة ، وذلك بدعوتهم الواضحة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ، لا بتغيير الأهداف ، ومحاولة استرضائهم وعدم الجهر بدعوتنا لهم . إنهم لن يقبلوا دعوتنا حين نعرضها على استحياء ، وحين نغفل القضيّة الأولى وننشغل بالجزئيات ، وحين نجعل من مصطلحات الحق والعدل مصطلحات عائمة ، بعد أن حدّدها الإسلام .
3ـ حقيقة تكريم الله للإنسان ! فبماذا كرّمه ؟!
نعم ! إن الله كرّم الإنسان وميّزه من سائر مخلوقاته بأن جعل له مهمة عليه أن يوفي بها في الدنيا ليحاسَب عليها في الآخرة ، وأخذ عليها العهد منه ، وأنعم عليه بنعم لا تحصى لتعينه على الوفاء بهذا العهد وهذه المهمّة، ولكن من الناس من ينسى تكريم الله له ، فيهبط بنفسه أسفل سافلين ، ويذهب بعض الناس بتكريم الله لهم بمعصيته ، حتى يكونوا كالأنعام أو أضلّ سبيلاً . إِن ما أنعم الله به على كل إنسان يظل تكريماً له مادام يسعى للوفاء بالمهمة التي خُلِقَ لها: العبادة والأمانة والخلافة والعمارة ، حتى إذا ابتعد عن الوفاء بهذه المهمة بعدم التزام شرعه ، فقد التكريم الذي كرّمه الله به ، وحلت عليه لعنة الله بنص القرآن الكريم.
ولكن من الذي أضاع تكريم الله للإنسان . إنهم هم وليس المسلمين بعامة .
وكذلك قوله تعالى: (( لا إكراه في الدين ... ) )! نعم ! هذا حق ! ولكنه لا يلغي واجب المسلم في أن يبلّغ دين الإسلام بكل الوسائل التي شرعها الله ، وأن يمضي بهذه المهمة عسى الله أن يهدي به الناس . ومسؤولية تبليغ الدعوة واجب المسلم من ناحية وواجب الأمة كلها .
أما إقامة العلاقات الإنسانية على أساس الأخلاق الكريمة في الإسلام ، فهذا حق ! ولكن مفهوم الأخلاق لا يعني العجز والضعف والاستسلام . وأساس التعامل في الإسلام هو العدل والبر ، ولكن العدل والبر يتحدد بشرع الله وهو قوي . والاستشهاد بالآية الكريمة: (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ... ) )! فمن هم هؤلاء الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم ؟ ! كيف نطوي مذابح المسلمين التي قام بها هؤلاء مباشرة أو أشرفوا عليها أو دفعوا إليها ؟ ! وبصورة عامة فإن ممارسة هذه الآية الكريمة تصدق والإسلام يحكم وشرع الله يطبّق !
4ـ بالحكمة والموعظة الحسنة:
أما ما ذكر عن"الحوار والدعوة بالحسنى"فحق ، ولكن الاستشهاد بالآية التي ذكرها: (( ادع إلى سبيل ربك ... ) )، كان يتطلب الاستشهاد أيضاً بالآية من سورة العنكبوت:
(( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) ) [ العنكبوت: 46 ]
يظل التركيز عند من يثير هذا الموضوع على قوله سبحانه وتعالى (( بالحكمة والموعظة الحسنة ) )دون أن يذكروا آية سورة العنكبوت التي فيها الإعلان الصريح والمجاهرة بالإسلام وبأنهم هم الذين خالفوا ما أنزل إليهم من ربهم . ودون ذكر أول الآية:"ادعُ إلى سبيل ربّك ..."! إذن الدعوة هي القضيّة الأولى وهي محور الآية الكريمة هذه وتلك !
5ـ أحداث الحادي عشر من شهر أيلول"سبتمبر"سنة 2001م:
إن أهم ما نود قوله هنا أنه حتى الآن لم يُقَدَّم دليل قانوني على إدانة أحد في تلك الأحداث . كل ما قيل: نعتقد ، نظن ، وربما ، يحتمل ، وغير ذلك مما لا يصدر بموجبه حكم ولا يتخذ إجراء . ولكن أمريكا ظنّت فاتهمت فقررت ونفذّت عقوبة مريعة وارتكبت جرماً عظيماً ، ووجّهت الاتهام إلى الأموات وإلى الذين هم في أعمالهم ، وإلى آخرين بصورة عشوائية ، اختفت فيها كل موازين العدالة وحقوق الإنسان .
والاستشهاد بالآية الكريمة من سورة [ المائدة: 82 ] (( ... الذين قالوا إنا نصارى ... ) )وبدراسة هذه الآية والآية التي تليها يتبيّن لنا أمران أساسيان:أولاً: أن هذه المودة تظهر منهم . ثانياً: أنها تظهر عندما ندعوهم إلى الإسلام دعوة صريحة واضحة ، كما يتضح من الآية (83) : (( فإِذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ... ) )هذا هو الود الذي تشير إليه الآية الكريمة ، وليس ود التعامل الدنيوي بعيداً عن تبليغ الدعوة لهم ، لتكون الدعوة ويكون الدين هو الذي يحدد التعامل كله .