ويقول الإخوة الأساتذة: إن النظم والتشريعات التي جاء بها الإسلام تؤسس لحياة مستقرة للمؤمنين وغير المؤمنين . وإن هذا القول على إطلاقه خطأ واضح . فالإسلام يؤسس لحياة مستقرة للبشرية كلها عندما يخضعون لشريعته وأحكامه وسلطانه دون أن يُجبروا على ترك دينهم . فإذا لم يخضعوا لشريعة الإسلام وسلطانها ، فكيف يكفل الإسلام استقرار من لا يخضع له ، أو يتآمر عليه ، أو يعاديه ويحاربه .
والاستشهاد بقوله سبحانه وتعالى: (( .. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين . ) )فهذه الرحمة هي بالرسالة التي يحملها ويبلغها لهم ، فإن آمنوا واتبعوا نالتهم الرحمة ، وإذا صدّوا وأبوا فكيف ينالون الرحمة ؟ ! الرحمة هنا دين الإسلام وهدايته وشريعته .
6ـ بين عدم إكراه الناس في الدين وبين تركهم دون دعوة وبلاغ:
يكثر بعض الناس الاستشهاد بالآية الكريمة: (( ... لا إكراه في الدين ... ) )! نعم لا إكراه في الدين ، فالله لا يقبل من أحد إيماناً لم يدخل قلبه وانحصر على لسانه . فلا بد أن يكون الدين والإيمان به قناعة ذاتيّة تملأ القلب . ومن أجل ذلك تنطلق الدعوة الإسلامية في الأرض لتبلّغ رسالة الله بوضوح وصدق وإلحاح ، لإنقاذ البشرية كما ذكرنا قبل قليل . كيف يرضى المؤمنون أن يروا الناس تتهاوى في نار جهنم دون أن يبذلوا قصارى جهدهم لإنقاذهم ، فيسترخون تحت ادعاء: (( لا إكراه في الدين ... ) )! وإذا كان الأمر كما يتوهمه بعضهم ، فلماذا خاض الرسول صلى الله عليه وسلم الغزوات والمعارك والحروب حتى امتدّ الإسلام ودخل الناس فيه أفواجاً ، ولماذا ظلَّ يلحّ بالدعوة والبلاغ ، وظلّ كذلك الصحابة رضي الله عنهم ، والدعاة الصادقون على مرّ العصور . دعوة وبلاغ وإلحاح وجهاد في سبيل الله .
إن الأمر على غير ما يتوهمه بعضُهم . إن مسيرة الدعوة الإسلامية نهج متكامل وخطة مترابطة ، لا تأخذ بنصف آية هنا ، وبربع آية هناك . إنه نهج يحمل نظريته ودربه وصراطه المستقيم وأهدافه الربانيّة المتماسكة ، ومراحله ، ولكن ليس فيه تخاذل ولا تنازل عن شيء من أمر الدين .
وليس من الحق أن نحمّل الآيات والأحاديث ضعفنا وعجزنا وهواننا ، لنضع الآيات والأحاديث في غير محلها ، فلا نحقق بذلك رضاء الله ولا نبلغ رضاء الأعداء .
وكذلك القول:"إن الولايات المتحدة لو اعتمدت العزلة ... فليس يعنينا أن تكون ديمقراطية أو علمانية أو ..."! كيف يكون ذلك ؟ ! نحن نحمل أمانة عظيمة يجب أن نوفي بها لأننا محاسَبون عنها بين يدي الله . ولو قبلنا من الولايات المتحدة عزلتها ، فهذا يعني أننا نحن كذلك اعتمدنا العزلة ! ولكن الله لا يرضى لنا ذلك ، ولا العهد الذي أخذه منا . إنا حملة رسالة يجب أن نبلغها ، ويجب أن نوضح لمن ندعوه حقيقة مخالفته للإسلام ، وما يصيبه لو بقي على ذلك . إنها قضيّة خطيرة جداً بل إنها أخطر قضيّة في حياة البشرية كلها على مر العصور .
المسلمون مكلفون بحمل هذه الأمانة . وإن الإسلام ليس قومية ينغلق المسلمون عليها . إنّه حق البشريّة كلها ، وفي التقصير في الوفاء بها إثم كبير ومعصية وإساءة للناس جميعاً .
7ـ لمن الإسلام ؟ !
تظل هذه الكلمة هنا تمضي على النسق السابق كله ، نسق يوحي بأن الإسلام دين لنا نحن المسلمين اليومَ بخاصة ، فانظر إلى هذا التعبير:"... ويصعب أن تتكون دولة جادة ومحترمة لشعبها في البيئة الإسلامية دون أن تتبنى أحكام هذا الدين ..."! الدولة الإسلامية هي التي تكون مكلفة بتحقيق شريعة الله في الأرض كلها لإنقاذ البشرية وليس في البيئة الإسلامية الخاصة وحدها. إنه دين للبشريّة كلّها وحُمّلتْ الأمّة المسلمة مسؤولية تبليغ رسالته للناس كافة ،والجهاد في سبيل ذلك ، وإقامة أحكامه في الأرض . وهذه الحقيقة ـ تبليغ رسالة الله لتمتد في الأرض كلها ويخضع الناس لأحكامه لينقذوا أنفسهم ـ هي أساس تنظيم العلاقة مع شعوب الأرض وأُممها .
والقول:"وليس من شريعتنا أن نلزم الآخرين بمفاهيمنا الخاصّة ..."يحتاج إلى وقفة . ذلك لأن ما لدينا ليست"مفاهيم"وليست"خاصة". إنها دين للناس جميعاً . إنها وحي من عند الله حق مطلق للبشرية ، وحين يحكم الإسلام ، فمن كان تحت حكمه وسلطانه ، يبقى على دينه إن كان من أهل الكتاب ، ولكن يخضع للإسلام وشريعته وسلطانه ، وعليهم أن يكون ولاؤهم لهذا الدين ولدولته ، لا يخونونها ولا يوالون أعداءها ، حتى يكونوا في ذمة المسلمين .
إذن ليست القضيّة مفاهيم خاصة . إنها ربانيّة للبشرية كلها ، اختار الله المؤمنين الصادقين ليحملوا هذه الرسالة كما حملها محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته ، وليمضوا على نفس النهج الذي انتهجوه ، مدى الدهر كله ، يدعون إِليه الناس كافّة .