فهرس الكتاب

الصفحة 27029 من 27345

رابعاً: يجب الوقوف مع إخواننا في العراق، لا مع النظام، فوقوفنا معهم واجب شرعي وحق أخوي (( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) ) (13) ، والوقوف معهم له صور وأشكال متعددة باليد واللسان والقلب، بالحس والمعنى، بالمال والنفس، كل حسب استطاعته وطاقته، ولنحذر من السلبية القاتلة والوقوف في صف المتفرجين، فإن من أعظم الظلم خذلان المسلم لأخيه المسلم، و (( ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ) ) (14) ، و (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة.. ) ) (15) .

خامساً: مأساة الأمة مع الأنظمة العربية وحكام المسلمين مأساة طويلة، فكم خذلت تلك الأنظمة شعوبها وجرت على نفسها الويلات والنكبات، فتراها تعلن شيئا وتخفي أشياء وتقول قولا وتعمل بضده، ومن ثم فقدت أغلب الحكومات ثقة شعوبها، حتى أصبحت لدى الشعوب قناعة بأن النفي من حكوماتها إثبات، والعطاء أخذ، والنصر هزيمة.

وفي هذه القضية كيف تُصدق بعض الأنظمة التي تعلن وقوفها ضد ضرب العراق وهي تزود ناقلات أمريكا وطائراتها بالنفط! وأخرى تشجب ضرب العراق والقواعد الأمريكية في أراضيها! وثالثة تعلن عداوة لأمريكا أمام الملأ وتعقد معها الصفقات في الخفاء! ورابعة تسمح بمرور الأساطيل الأمريكية عبر موانئها وأجوائها.

ويزداد عجبي من شأن هذه الأنظمة وتعاملها مع الأحداث الكبرى، انظر إلى واقعها فيما بينها تجد أن التناحر والتطاحن والاختلاف هو الأصل، والاتفاق حالة استثنائية، حتى أثناء الأزمات والمحن ليس لديها القدرة على اتخاذ موقف موحَد مشرِف، وعدوها الحقيقي يأكلها دولة بعد أخرى، بل صرح زعماء الغرب أنه يصعب عليهم التعامل مع العرب والمسلمين، لأنهم لا يملكون رأياً واحداً مشتركاً، بل كل دولة لها وجهة نظر تختلف عن الدولة الأخرى.

وهذا يذكرني بقصة يهود بني قريظة مع كعب بن أسد عندما كانوا يساقون إلى القتل واحداً تلو الآخر، فقالوا له: إلى أين يذهب بنا؟ فقال قولته المشهورة: تباً لكم يا معشر يهود، أفي كل موطن لا تعقلون.

فهل تعقل تلك الأنظمة ماذا تريد بها أمريكا، وهي لا تزال تتباكى، تحت قدمي أمريكا مُقسِمَة اغلظ الأيمان أنها هي الصديق والحليف وأنها معها ضد الإرهاب في خندق واحد، وأمريكا تعلن جهاراً نهاراً عداوتها واستعدادها لمواجهتها، وأنها مصممة للقضاء عليها واحدة تلو الأخرى.

إن أولئك الحكام لا يتعلمون من التاريخ! ماذا جنوا من صداقتهم لأمريكا وتحالفهم معها، قدموا بلادهم وأموالهم بل أموال المسلمين قرباناً لتلك الصداقة، بل أصبحت بعض الأنظمة تدفع لأمريكا قيمة الرصاصة التي تقتلها بها، وعلى نفسها جنت براقش، وهاهي النتيجة ظاهرة للعيان، فقد أكلنا يوم أكل الثور الأول، وصدق الله العظيم (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (16) .

إنني أدعو الأنظمة العربية والحكام العرب بل وحكام المسلمين جميعاً إلى أن يصطلحوا مع شعوبهم ويتحالفوا معهم بدلاً من تحالفهم مع اليهود والنصارى، وصداقتهم للشرق والغرب، فوالله إن تلك الأحلاف الظالمة لن تغني عنهم من الله شيئاً، كما أنهم لن يصطلحوا مع شعوبهم، ولن يحافظوا على وحدة صفهم، مالم يتوبوا إلى ربهم، ويستمسكوا بدينهم، ويسلموا قيادة أمرهم وحكمهم إلي مليكهم (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) (17) . كما أنصحهم بالبعد عن اتخاذ المواقف التي تبعدهم عن شعوبهم، وتثير الفتن الداخلية، مما يسهل على العدو تحقيق أهدافه ومآربه.

إنني آمل أن تجد هذه الكلمات آذاناً صاغية وقلوباً واعية قبل فوات الأوان، وحلول الهوان، ومن أنذر فقد أعذر. (وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) (18) (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) (19) .

سادساً: أما الشعوب الإسلامية، والعربية خصوصاً فلها شأن آخر، حيث لا تزال في لهوها وغفلتها، ومع أن الأمر جدّ خطير، فلم تغير من واقعها شيئاً يذكر، وكأن الأمر لا يعنيها، بل هناك من ينتظر بفارغ الصبر ما ستفعله أمريكا، من أجل رفع المعاناة عن شعب العراق المظلوم ولم يدرك ذلك المسكين أن الغرب لا يعنيه من شأن ذلك الشعب شيئاً، وهل ضُرب الشعب العراقي إلا على يد الغرب وحلفائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت