فللعلماء عنهما أجوبة (1) منها أن قوله { إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } معناه إلا من شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين لأن الأحاديث ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في خلود الكفار في النار وعدم خروجهم منها وكذلك ثبتت الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم أن الكبائر يخرجون من النار ومنها إنه استثناء لا يفعله تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك على ضربه ذكره الفراء وهو معنى قول أبي صالح عن أبن عباس (( إلا ما شاء الله ) )قال: (( فقد شاء أن يخلدوا فيها قال الزجاج وفائدة هذا أنه لو شاء أن يرحمهم ولكنهم أعلمنا أنهم خالدون أبدا. ) )أهـ . هذا الوجه من زاد المسير لابن الجوزي.
ومنها أن (( إلا ) )في سورة هود بمعنى سوى فيكون المعنى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء الله من الزيادة والخلود، والأقوال ثمانية في هذه المسألة من أرادها فليرجع إليها في أماكنها ولما ساقها الإمام الشنقيطي في معارج الصعود قال وأقرب هذه الأقوال: القول الأول.
وأما قوله تعالى: { لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } فقد أجاب عنها الإمام الشنقيطي رحمه الله في معارج الصعود فقال (أحقابًا ظرف منكر يفهم منه أنه ينتهي في وقت ما ثم قال والجواب قد أوضحه الله تمام الإيضاح في سورة(ص) وخير ما يفسر به القرآن القرآن فالأحقاب في آية النبأ متعلقة بما بعدها وهو أنهم في تلك الأحقاب لا يذوقون إلا الحميم والغساق ثم بعد أن تنتهي تلك الأحقاب يشكل لهم العذاب من غيرهما أشكالًا لا نهاية لها والدليل على أن المراد ما ذكرنا قوله تعالى في سورة (ص) { هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } فالأحقاب التي في النبأ لا يقع فيها الحميم والغساق ولا يقع فيها غيرهما وإذا قلنا بانتهاء تلك الأحقاب تنتهي النار يبقى ما ذكر في سورة (ص) لا ظرف له وهو خلاف القرآن فظهر أن الأحقاب ظرف لحميم والغساق وأنه بعد انتهاء تلك الأحقاب تأتي ألوان أخرى من العذاب أهـ المقصود.
وذهب بعض العلماء إلى أن الأحقاب هو الذي لا انقطاع له أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله تعالى: { لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } قال الأحقاب ما لا انقطاع له كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر.
ونقل البغوي في تفسيره عن الحسن قال: إن الله لم يجعل لأهل النار مدة بل قال: { لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } فوالله ما هو إلا إذا مضى حقل دخل حقب آخر ثم آخر إلى الأبد فليس للأحقاب عدة إلا الخلود أهـ.. وهذا القول فيه قوة يؤيده قوله تعالى: { فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا } وقوله { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } وبهذا البيان يتضح للقارئ أنه ليس مع من قال بفناء النار من الحجج إلا ما هو أو هي من بيت العنكبوت.
فصل
قد يقول بعض الناس يلزم مما تقدم من كلامك أن تبدع من قال بفناء النار من المتقدمين كفلان وفلان و و و...؟
فيقال: هذا الإلزام باطل لا يقوله إلا من هو جاهل ولا أعلم أحدًا من أهل العلم المحققين قال بهذا الإلزام الباطل وأيضًا مما يجب التنبيه عليه والتفطن له أن العالم قد يقول قولا مرجوحًا ويكون مجتهدًا فيه مأجورًا على اجتهاده فيه مغفورًا له خطؤه لعدم بلوغ الحجة له إلى غير ذلك من الأعذار التي توجب العفو.
أما غيره ممن بلغته الحجة فهذا يبدع ولا يكون بمنزلة الأول وهذا الباب باب عظيم يجب تفهمه وتدبره وتعلقه لأنه يفتح لطالب العلم بابًا عظيمًا من أبواب العلم ولشيخ الإسلام رحمه الله كلام مهم في هذه المسألة نذكره بلفظه قال في الفتاوى ج6 ص61 (إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت لعدم بلوغ الحجة له فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك ولا تبدع عائشة ونحوها ممن يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم فهذا أصل عظيم نتدبره فإنه نافع) .
وقد صدرت أشياء كثيرة من بعض التابعين خصوصًا في العقائد ومع ذلك عدها العلماء من الخطأ المغفور ولما قال بها من بعدهم بدعوه وضللوله فمن ذلك ما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى وفسروا قوله: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } بأنها تنظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبي صالح (2) . وأشياء كثيرة من هذا النوع ولم يقل أحد من أهل العلم أن من أنكر رؤية الله لا يبدع ولا يضلل من أجل ما روى عن بعض التابعين ولو ذكرنا أقوال العلماء في هذه المسألة لطال بنا الكلام عما قدمناه وهو إبطال أدلة القائلين بفناء النار والله أعلم.
(1) انظر زاد المسير لابن الجوزي ج4 ص160 وكذلك انظر معارج الصعود للشنقيطي رحمه الله ودفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب ص122.
(2) انظر فتاوى شيخ الإسلام ج (20) ص32.