فهرس الكتاب

الصفحة 3855 من 27345

الصورة العاشرة: لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة: قال يحي بن معين:' إنا لنطعن على أقوام- يقصد في الجرح والتعديل في الحديث والطعن في الجرح والتعديل أمر مندوب إليه ومأجور من يفعل ذلك فهو نصر لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم- لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتي سنة' قال ابن مهرويه- أحد الرواة- فدخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ على الناس كتاب' الجرح والتعديل' فحدثته بهذا، فبكى وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب وجعل يبكي ويستعيد الحكاية' يقول الذهبي معلقًا على هذا الموقف:' أصابه على طريق الوجل، وخوف العاقبة، وإلا فكلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح في دين الله، والذب عن السنة' وهو أمر مطلوب منهم، ومأجور عليه، فماذا نقول نحن؟! ونحن نسمع من كثير من إخواننا عافاهم الله وصفح عنهم وغفر لهم ما يذكرونه في كثير من المشايخ والعلماء وطلبة العلم بل والصالحين، سبحان الله! ما وجدنا إلا الصالحين، والعلماء نخوض في أعراضهم ونتكلم عنهم؟! أين أنت من المنافقين؟ وأين أنت من اليهود والنصارى؟ أين أنت من الذين يكيدون للدين ليل نهار؟! لم تجد إلا أعراض إخوانك حتى تتكلم فيها؟!

تكامل الشخصية في حياة السلف: ذكرنا صورًا ومواقف متناثرة وإليك في هذا العنصر وقفة سريعة في حياة علمين فاضلين، أقف وإياك للنظر في جانب سلامة الصدر فقط، وطهارة القلب في حياة هذين الرجلين: أحمد بن حنبل، وابن تيمية رحمهما الله، وفي حياتهما مثل أعلى للعاملين والدعاة المصلحين، والعباد المخلصين، فمع كثرة الأذى لهما، والنيل منهما، وسجنهما، وجلدهما، والتعرض للفتن بل، والتكفير والتفسيق والتبديع، ومع ذلك كله كانت قلوبهم سليمة:

أحمد بن حنبل

عن أبي علي الحسين بن عبد الله الخرقي قال: بت مع أحمد بن حنبل ليلة لم أره ينام إلا يبكي إلى أن أصبح، فقلت يا أبا عبد الله: كثر بكاؤك الليلة فما السبب؟ قال أحمد: ذكرت ضرب المعتصم إياي ومر بي بالدرس قوله تعالى وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [40] "سورة الشورى" فسجدت وأحللته من ضربي في السجود' رحم الله الإمام أحمد هكذا والله القلوب، وهكذا التعلق بالله جل وعلا، والتدبر لهذا الكتاب!

جاء رجل إلى أحمد بن حنبل، فقال له: نكتب عن محمد بن منصور الطوسي، فقال:' إذا لم تكتب عن محمد بن منصور فعمّن يكون ذلك' قالها مرارا يكررها. قال الرجل: إنه يتكلم فيك، فقال أحمد رحمه الله:'رجل صالح ابتلي فينا، فما نعمل' وما أعجب مواقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، اقرأ هذا الكتاب 'محنة الإمام أحمد بن حنبل' وانظر مواقفه مع من عاداه، ومع من ضربه، ومع من سبه وشتمه، فرحم الله الإمام أحمد.

ابن تيمية

ومن مواقفه مع مخالفيه بالرغم من إيذائهم له وتعديهم عليه بالباطل إلا أنه لم يقابل ذلك إلا بالإحسان فها هو يقول:' وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها- يعني: الفتنة- وفي غيرها وإقامة كل خير, وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه ولا أعين عليه عدوه قط، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه نيتي وعزمي , مع علمي بجميع الأمور، فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين . ولو كنت خارجًا لكنت أعلم بماذا أعاونه , لكن هذه مسألة قد فعلوها زورًا والله يختار للمسلمين جميعهم ما فيه الخيرة في دينهم ودنياهم' ' الفتاوى3/271'

ويقول رحمه الله أيضًا:' فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم . وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي . والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي . وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم فلو كان الرجل مشكورا على سوء عمله لكنت أشكر كل من كان سببا في هذه القضية لما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة ; لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه وأياديه التي لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له . وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم . وأنتم تعلمون هذا من خلقي' 'الفتاوى 28/55' .

فكرر علي حديثهم يا حادي فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي

هكذا كانوا رضوان الله تعالى عليهم في مواقفهم، وفى حياتهم، وفى أحوالهم مع من عاداهم، أو حتى كفرهم، أو فسقهم، أو بدّعهم، أو آذاهم، هكذا تكون القلوب المؤمنة، الراجية من الله العفو والصفح.

نتائج سلامة الصدر وآثاره:

سبب لدخول الجنة: كما ذكرنا في أنس:'كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: [ يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] ...الخ الحديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت