فهرس الكتاب

الصفحة 3897 من 27345

فالجواب: أن نقول هذا في الواقع ليس ببدعة بل هذا وسيلة إلى مشروع والوسائل تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة ومن القواعد المقررة أن الوسائل لها أحكام المقاصد فوسائل المشروع مشروعة ووسائل غير المشروع غير مشروعة بل وسائل المحرم حرام . والخير إذا كان وسيلة للشر كان شرا ممنوعا واستمع إلى الله عز وجل يقول ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) الأنعام . وسب آلهة المشركين ليس عدوا بل حق وفي محله لكن سب رب العالمين عدو وفي غير محله وعدوان وظلم ، ولهذا لما كان سب آلهة المشركين المحمود سببا مفضيا إلى سب الله كان محرما ممنوعا ، سقت هذا دليلا على أن الوسائل لها أحكام المقاصد فالمدارس وتصنيف العلم وتأليف الكتب وإن كان بدعة لم يوجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، على هذا الوجه إلا أنه ليس مقصدا بل هو وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد . ولهذا لو بنى شخص مدرسة لتعليم محرم كان البناء حراما ولو بنى مدرسة لتعليم علم شرعي كان البناء مشروعا .

فإن قال قائل: كيف تجيب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) وسن بمعنى ( شرع ) .

فالجواب: أن من قال ( من سن في الإسلام سنة حسنة ) هو القائل ( كل بدعة ضلالة ) ولا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب له قولا آخر ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبدا ، ولا يمكن أن يرد على معنى واحد مع التناقض أبدا ، ومن ظن أن كلام الله تعالى أو كلام رسوله ، صلى الله عليه وسلم متناقض فليعد النظر ، فإن هذا الظن صادر إما عن قصور منه ،وإما عن تقصير . ولا يمكن أن يوجد في كلام الله تعالى أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض أبدا.

وإذا كان كذلك فبيان عدم مناقضة حديث ( كل بدعة ضلالة) لحديث ( من سن في الإسلام سنة حسنة ) أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( من سن في الإسلام ) والبدع ليست من الإسلام ، ويقول ( حسنة ) والبدعة ليست بحسنة ، وفرق بين السن والتبديع

للخلق لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه . إذا فالنبي ، صلى الله عليه وسلم، حينما قال ( كل بدعة ضلالة ) كان يدري ما يقول ، وكان يدري معنى ما يقول ، وقد صدر هذا القول منه عن كمال نصح للأمة .

وإذا تم في الكلام هذه الأمور الثلاثة ـ كما النصح ، والإرادة ، وكمال البيان والفصاحة وكمال العلم والمعرفة ـ دل ذلك على أن الكلام يراد به ما يدل عليه من المعنى أفبعد هذه الكلية يصح أن نقسم البدعة إلى أقسام ثلاثة ، أو إلى أقسام خمسة ؟ أبدا هذا لا يصح ، وما ادعاه بعض العلماء من أن هناك بدعة حسنة . فلا تخلو من حالين:

1)أن لا تكون بدعة لكن يظنها بدعة .

2)أن تكون بدعة فهي سيئة لكن لا يعلم عن سوئها.

فكل ما ادعي أنه بدعة حسن فالجواب عنه بهذا . وعلى هذا فلا مدخل لأهل البدع في أن يجعلوا من بدعهم بدعة حسنة وفي يدنا هذا السيف الصارم من رسول الله ،صلى الله عليه وسلم ، ( كل بدعة ضلالة ) .

إن هذا السيف الصارم إنما صنع في مصانع النبوة والرسالة إنه لم يصنع في مصانع مضطربة لكنه صنع في مصانع النبوة وصاغه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، هذه الصياغة البليغة فلا يمكن لمن بيده مثل هذا السيف الصارم أن يقابله أحد ببدعة يقول إنها حسنة ورسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يقول ( كل بدعة ضلالة ) .

وكأني أحس أن في نفوسكم دبيبا يقول ما تقول في قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الموفق للصواب حينما أمر أبي ابن كعب وتميما الداري أن يقوما بالناس في رمضان فخرج والناس على إمامهم مجتمعون فقال ( نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ) .

فالجواب عن ذلك من وجهين:

الوجه الأول: أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يعارض كلام الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، بأي كلام لا بكلام أبي بكر الذي هو أفضل الأمة بعد نبيها ، ولا بكلام عمر الذي هو ثاني هذه الأمة بعد نبيها،ولا بكلام عثمان الذي هو ثالث هذه الأمة بعد نبيها ولا بكلام علي الذي هو رابع هذه الأمة بعد نبيها ولا بكلام أحد غيرهم لأن الله تعالى يقول ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ـ النور ، قال الإمام أحمد رحمه الله (أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قول النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ) .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ( يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله ،صلى الله عليه وسلم ، وتقولون قال أبو بكر وعمر ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت