فهرس الكتاب

الصفحة 4124 من 27345

3-أن يكون الجاني مختارًا، فلا قصاص على المكره وإلى اشتراط ذلك ذهب أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، ويرى هؤلاء أن القصاص واجب على المكره دون المكره وحجتهم ما رواه البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"، ولأن المكره مسلوب الاختيار، فأشبه الآلة، والقصاص إنما يجب على مستعملي الآلة ذاتها، ولآن المكره إنما قتل المجني عليه دفاعًا عن نفسه، فلم يوجب عليه القصاص، كما لو أتاه رجلًا يريد قتله فقتله دفاعًا عن نفسه. وذهب مالك وأحمد وبعض الشافعية وأهل الظاهر إلى وجوب القصاص على المكره والمكره معًا، وحجتهم إجماع الفقهاء على أن من أشرف على الهلاك في مخمصة لم يكن له أن يقتل إنسانًا فيأكله، ولأن المكره استبقى نفسه لقتل غيره، والمكره تسبب في القتل بما يقضي عليه غالبًا، وذهب الشافعي في قوله الثاني وزفر من علماء الحنفية إلى وجوب القصاص على المكره، وحجتهم أن المأمور مباشر للقتل مع قدرته على الامتناع عما أكره عليه فكان مختارًا للقتل، وفي نظري أن القول بوجوب القصاص على المكره والمكره أولى أن يأخذ به، لقوة أدلته، ولأن كلًا منهما قد ساهم في القتل العمد العدواني ووجب أني يتحمل تبعة فعله كما لو اتفقنا عليه.

4-أن يكون عالمًا بتحريم القتل، فإن كان جاهلًا به فلا قصاص عليه، وعلة اشتراط ذلك أن اشتراط ذلك أن القصاص شرع للردع والزجر عن معاودة الفعل، والجاهل بالتحريم لا تدعو الحاجة إلى معاقبته؛ لأن عدم العلم بالتحريم يستلزم اعتقاد الحل، وذلك شبهه والقصاص يدرأ بالشبهات .

5-أن يكون القائل معصوم الدم، فإن كان مهدر الدم فلا قصاص عليه سواء كان المقتول معصومًا أو مهدورًا، وبناء على هذا الشرط لا يجب القصاص على الكافر الحربي إذا أسلم بعد ارتكاب جناية القتل، وذلك لقوله تعالى: ? قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ ? [سورة: الأنفال-آية 38 ] . وقال - صلى الله عليه وسلم-:"الإيمان يجب ما قبله".ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل وحشيًا قاتل عمه حمزة، ولم يأخذ منه الدية، ولو كان القصاص واجبًا على الحربي لقتله للمسلم لقاده النبي - صلى الله عليه وسلم - به.

6-أن يكون القاتل مباشرًا، فإذا لم يكن مباشرًا للقتل فلا قصاص عليه ولو كان متسببًا فيه، وبناءً على هذا الشرط لا يجب القصاص على الشهود القتل إذا اعترفوا بتعمدهم الكذب عن الاقتصاص من المشهود عليه، وإلى اشتراط هذا الشرط ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وحجتهم أن القتل تسببًا لا يساوي القتل مباشرة؛ قتل صورة ومعنى، والقصاص قتل بالمباشرة، فلم يكن مساويًا لما صدر عن القاتل، وعند انتفاء المساواة ينتفي بوجوب القصاص لتخلف شرطه. وذهب أكثر الفقهاء إلى أن المباشرة ليست شرطًا لوجوب القصاص ولا فرق في الحكم بين المباشر والمتسبب، وحجتهم ما روى القاسم بن عبد الرحمن أن رجلين شهدا عند علي - رضي الله عنه -، على رجل أنه سرق، فقطعه، وأتياه بآخر فقالا هذا الذي سرق وأخطأ على الأول، فلم يجيز شهادتهما على الآخر، وألزمهما دية يد الأول، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما، لقطعتكم .

فهذا الأثر يدل صراحة على وجوب القصاص على المتسبب، إذ أن الشهود لم يباشروا القطع، وإنما تسببوا فيه، ومع ذلك قال لهم علي - رضي الله عنه: لو علمت أنكما تعمدتموها لقطعتكما، وإن كان السبب موجبًا للقصاص في الأطراف وكذا في النفس إذ لا فرق بين النفس والأطراف؛ ولأن القتل اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادة، وهذا المعنى موجودة في المتسبب، فكان فعله موجبًا للقصاص عليه كالمباشر.

المطلب الثاني

الشروط الواجب توفرها في المقتول

1 ـ أن يكون المقتول معصوم الدم، فإن كان مهدور الدم فلا قصاص على قاتله، وأساس العصمة عند أكثر الفقهاء المسلمين هو الإسلام أو الأمان، ويندرج تحت لفظ الأمان عقد الجزية والموادعة، فالذمي المستأمن متساويان في العصمة، وتحريم الدم، والمال المسلم؛ لأن عصمة المستأمن مؤقتة تنتهي بانتهاء مدة أمانه ، أما أبو حنيفة فيرى أن العصمة لا تكون إلا بالإسلام أو الأمان، وإنما يعصم المرء بعصمة الدار ومنعه الإسلام إلى دار الحرب، وإذا كان أساس العصمة هو الإسلام أو الأمان فإنها تزول بزوال الأساس الذي بنيت عليه، على أن العصمة قد تزول مع بقاء الإسلام أو الأمان.

2 ـ أن يكون المقتول مكافئًا للقاتل ومثال ذلك أن لا يقتل المسلم بالكافر، والجماعة بالواحد.

المطلب الثالث

الشروط الواجب توفرها في ذات القتل

اشتراط الفقهاء في القتل الموجب للقصاص عددًا من الشروط هي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت