كان ذلك كله في بالي ويومها قفزت إلى ذهني قضية يعرفها دارسو الأدبيات الماركسية، فحين قامت ثورة فرنسا العظمى وتشكلت كومونة باريس، كان كارل ماركس يرى في هذه الكومونة التجربة الرائدة العظمى لحكم العمال والكادحين ولكنه رأى أن المجازر التي ارتكبت شيء رهيب وأنه وقعت أخطاء لا يمكن تحملها، مع ذلك فقد وقف كارل ماركس مع الكومونة على ما فيها من مصائب وما فيها من أخطاء وكتب من أجلها كتابًا مشهورًا في الأدبيات الماركسية هو كومونة باريس، قفزت هذه الحادثة إلى ذهني، وتبادر كيف تتماثل الحوادث، فوجدت نفسي أتقزز إن ماركس يخون اعتقاده ويخون رأيه ويقف مع الجانب الذي يعتقد أنه ارتكب خطأ كبيرًا لا يمكن الدفاع عنه ما هذا؟ انتهازية.. أما أنا فقد قررت أن أقف مع الصواب بغير إطالة للتردد وتكلمت على العنف، وقلت إن العنف لا يثمر شيئًا، وقلت إن الإسلام منهج قوامه الحب وقوامه الطيبة وقوامه الإنسانية الرفيعة المهذبة، ولكم أن تعجبوا أن شهورًا طويلة مرت منذ ذلك الوقت. من أوائل الصيف وإلى الآن دون أن يعقب الأبطال الأشاوس على هذا الكلام.
في الجمعة الماضية سمعتم كلكم ماذا قلت والحمد لله الكلام على المنبر ليس شيئًا يسهل التنصل منه وكما كان يقول زياد بن أبيه كذبة المنبر بلقاء مشهورة وكلامي يسجل وتتداوله الأيدي في هذا البلد، وخارج هذا البلد وخارج هذا القطر، فالكلام الذي سمعتموه كان ينصب على قضية واحدة قلت بالنص إنني سأقتطع منظورًا تاريخيًا محددًا يبدأ بالثورة الفرنسية وينتهي بأيامنا هذه لأدرس معكم على ضوء الوقائع؛ التربة التي نشأ فيها العنف لماذا لأنني سبق أن قلت لكم إن العالم اليوم يعيش تحت عبء هستيريا خطيرة -هستيريا العنف- وما يتولد عن العنف من مجازر ومذابح وأخطار تتعرض لها البشرية وأن هذه العدوى مع الأسف تسربت إلى بلادنا وسكنت عقول كثير من المسلمين، وأصبح كثير منهم يعتقد أن قضية الإسلام لا يمكن أن تنتصر إلا على أساس القيام بعنف ثوري يحطم الطغيان والطغاة تحطيمًا، مع قطع النظر عن وجود الشروط الضرورية لتقبل الإسلام أو عدم وجود هذه الشروط، ومع قطع النظر عن سلامة التكوين الذي يجب أن يتوفر في الدعاة إلى الإسلام أو لا يتوفر وقلت إنني أريد أن أحمي الشباب المسلم من هذه التيارات الضارة وكان يخطر في بالي كلام النبي صلى الله عليه وسلم:
(إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فجعلت هذه الحشرات والهوام تتهافت على النار، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون فيها) أعرف أن كثيرًا من شباب المسلمين يرون هذا الرأي ولكن عذرهم أنهم ما كلفوا أنفسهم مؤونة دراسة التجربة الإسلامية وما كلفوا أنفسهم مؤونة تصور قضية العنف على النحو الذي هي موجودة عليه، في هذه الأيام فاقتطعت من التاريخ منظورًا وصورت لكم تطور العنف وكشفت لكم عن التجربة التي نشأ فيها هذا العنف وقلت اعتبارًا من الجمعة القادمة سنتكلم داخل رحاب الإسلام إذًا أنا لم أعط رأيًا في المسألة بل عرضت المشكلة وصورتها وما قدمت الحل ولا أدري كيف يهيء الله في بعض الأحيان إرهاصات...
يوم الجمعة الماضية بعد الصلاة عندنا في البيت كنت أقف مع بعض الإخوة ولا أعرف ملابسات الكلام، لكني ذكرت أن الإنسان يُشَوَّهُ كلامُه بعدم الفهم ويشوَّه كلامه للغرض المقصود، وأستشهد بكلمة كان يقولها الفنان والفيلسوف والعالم"مايكل آنكل"فقد كان يقول:"إن معرفتي ستخلق عددًا كبيرًا من الجهلة"فتفكير الإنسان في الواقع حينما يتنطح إنسان من الناس ليكون قاضيًا يحكم على تفكير إنسان يجب عليه أن يأخذ تفكير الإنسان في كليته لكي يهتدي إلى الحقيقة؛ أما البتر والتجزئة فلا ينتج شيئًا، قيل لأبي نواس: لماذا لا تصلي؟ قال: إن الله قال: (فويل للمصلين) لكنه لم يقل بعد ذلك الذين هم عن صلاتهم ساهون، بتر جزءًا من الآية احتج به على ترك الصلاة.
قيل لأبي نواس ذات يوم: علامَ تشرب الخمر؟ ألا تعلم أن الله حرمها؟ قال: لا. قيل: وكيف؟ قال: إن الله تعالى قال: (فهل أنتم منتهون) قلنا: لا، فسكت وسكتنا، سألنا الله تعالى فقلنا له لا ننتهي ولم ينزل علينا بعد ذلك وحيًا، ترون أن الإنسان المغرض يستطيع أن يأخذ من القرآن من كلام الله تعالى ما يؤدي غير الحقيقة بل ما يؤدي ضد الحقيقة، والناس حينما يتغرضون فهم أشد شراسة من الوحوش من هنا فقد استغربت ما ثار في الأسبوع الماضي وهمس به بعض الإخوة.. سلفًا أقول لهم سامحهم الله ولكنكم يا إخوتي مغرر بكم تغريرًا شنيعًا إذا كنت أطلب منكم وأرجو وأقول أنتم أصحاب الفضل علي تعالوا ناقشوني فلماذا الهمس بين الجدران؟ ولماذا التناجي بإلأثم والعدوان؟ ولماذا الانتشار في المجالس؟ ولماذا التدسس تحت الآباط؟ ولماذا؟ إن لم يكن من وراء ذلك غرض مبيت فهو التشويش والصد عن سبيل الله.