نعم، التقليد باطل، لكن ما مفهوم التقليد؟ هناك فرق بين التقليد وبين الاتباع والاهتداء، والاتباع واجب شرعًا، وعامة المسلمين بل كثير من طلاب العلم لا يجيدون ممارسة الاجتهاد، أو أخذ أصول العلم علي الطريقة الصحيحة، فممن يأخذون العلم؟ وكيف يأخذون أصول التلقي ومنهج السنة ومنهج السلف الصالح، ومنهج الأئمة؟ لا يمكن أن يأخذوه إلا باتباع العلماء، والاتباع ليس بتقليد وإلا فهذا يعني أن كل إنسان هو إمام نفسه، ومن هنا يكون كل إنسان فرقة، وتكون الفرق بعدد الناس، وهذا باطل قطعًا، إذًا اتباع الأئمة علي هدي وبصيرة ليس بتقليد، إنما الاتباع الأعمى هو التقليد.
?ومن المظاهر الخطيرة: التمشيخ، أو التتلمذ علي مجرد الوسائل، وهو أن يكتفي طالب العلم بأخذ العلم عن الكتب وينطوي وينعزل عن الناس، وينعزل عن أهل العلم، وينعزل عن أهل الخير، وأهل الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن العلماء، ويقول: أنا أتلقي العلم عن الكتب وعن الوسائل، ولدي شريط، والكتاب والإذاعة . . . الخ، من الوسائل المقروءة والمسموعة ثم يقول: أنا بإمكاني أن أتعلم بهذه الوسائل.
أقول: لا شك أن هذه الوسائل نعمة، لكنها أيضا سلاح ذو حدين، فالاكتفاء بأخذ العلوم الشرعية عنها إنما هو مسلك زلل، وهو من أسباب الافتراق؛ لأن هذا ينمي العزلة المحرمة، أو يوجد أشخاصًا صورًا ممسوخة لأهل العلم، يأخذون العلم علي غير أصوله، وعلي غير قواعده، بغير اهتداء، وبغير اقتداء ويأخذون العلم بمشاربهم هم وبأهوائهم، وبأمزجتهم، وبأحكامهم المفردة، فإذا ظهرت الأحداث والفتن، شذوا عن العلماء، وازدروا آراءهم، والإنسان مهما بلغ من الذكاء والقدرة والتأهل للعلم، فإنه وحده لا يستطيع أن يصل إلي الحق ما لم يعرف ما عليه السلف، وما عليه أهل العلم في وقته، ويعالج قضايا العلم وقضايا الأمة والأحداث مع العلماء، فإنه إن لم يفعل ذلك، فقد يهلك ويهلك.
بل إن الوسائل هذه أوجدت عندنا صورًا ممسوخة لمن يسمون بالمثقفين، وعندهم من المعلومات ما يعجب الناس ويبهرهم لكنهم لا يقرون بأصل، ولا يفهمون منهج السلف، ويجدون من يقتدي بهم بغير علم، وهذا الأمر أو هذه الظاهرة كثرت بشكل مزعج، حتى وجد من هذا الصنف أناس يتصدرون الدعوة إلي الله، وتوجيه الشباب علي هذا النمط، لمجرد أنهم يملكون من المعرفة والثقافة العامة ما يبهر السذج، وعندهم كم هائل من المعلومات الشرعية، دون معرفة للضوابط، ولا للأصول، ولا للمناهج، ولا لكيفيات التطبيق، وكيفيات العمل، ولا لطريقة أئمة الدين في تناول مسائل العلم وتطبيقها علي النوازل والحوادث.
السبب السادس: من أسباب وجود الافتراق التقصير في فهم فقه الخلاف: وأقصد بفقه الخلاف معرفة أحكام الخلاف بين المسلمين، وماذا يترتب علي وقوع الخلاف؟ وما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز؟ وإذا خالف المخالف متي يعذر ومتي لا يعذر؟ وماذا نطلق عليه؟ ومتي نطلق عليه الكفر أو الفسوق؟ وهل إطلاق، الحكم علي المخالف أو الموقف منه متروك لكل أحد، وتفصيل ذلك أمر يجهله كثير من الناس، ومن هنا قد يحدث الافتراق في أمور لا يجوز الافتراق عليها.
وكذلك التقصير في فقه الاجتماع والجماعة، وهو فقه مهم جدًا قد غفل عنه الكثير من الشباب الذين يأخذون العلوم الشرعية، كما غفلوا عن المقاصد العظمي للدين في الاجتماع!، اجتماع الأمة وجمع الشمل وفقه الجماعة، وأكثرهم لا يفقه محاذير الافتراق، وكيف يكون؟ ومحاذير الفتن، وما توصل إليه؟ ولا يحسن التفريق بين الثوابت وبين المتغيرات من الأحكام والأصول.
وسمتهم الجهل بقواعد الشرع العامة، وبمقاصد الشرع العامة مثل قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وقاعدة التيسير، ومسألة متي يكون للناس في أمر من الأمور رخصة؟، ومتي يكون لهم ضرورة؟، واللجوء إلي الضرورة كيف يكون؟ وأحكام الفتن، وأحكام السلم، ولا يجيدون أحكام التعامل مع المخالفين، ولا أحكام التعامل مع العلماء، ولا أحكام التعامل مع ولاة الأمور، لذلك نجد كثيرًا من الناس لا يفرق في كلامه وأحكامه بين ظروف الشدة والفتن، وبين ظروف السلم والأمن وهذا خلل كبير، وسبب للافتراق.