فهرس الكتاب

الصفحة 4962 من 27345

ومن هذا المنطلق فإنَّ البحث المضني من العالم أو المربي أو المفكر لما يخدم به أمَّة الإسلام من برامج جذَّابة تكون بديلًا عمَّا هو متاح ويستطاع الوصول إليه بأسرع الوسائل وأدنى السبل ؛ فإنَّ هذا النوع من البحث من الضرورة بمكان وخاصَّة في هذا العصر الراهن ؛ فأمتنا تحتاج لبدائل كثيرة في عدَّة مضمارات ، وتحتاج للبدائل المفيدة عن القنوات الفاسدة التي تنشر الغثَّ بلا سمين ، وتلهي النَّاس عن دين ربِّ العالمين ، و تجدُّ في إيقاعهم بفتن الشبهات أو الشهوات ، وما البرامج الأخيرة التي نشرت من خلال القنوات الفضائحية كسوبر ستار، وستاركلوب ، وستار أكاديمي ، وتحدي الخوف، وبج برذر ، وغيرها إلاَّ شاهد قوي على أنَّ أهل العلمنة والكفر والفجور يريدون إلهاء الأمة وشبابها عن قضاياها الكبرى ، وشؤونها المصيرية ـ وقد أعلن ذلك جهارة بعض المسؤولين عن بعض تلك القنوات ـ بل كانت بعض هذه البرامج العاهرة تعرض في الوقت الذي تضرب فيه بلاد الرافدين (العراق) بالصواريخ ، وتقصف بالطائرات ، وتجتاح بالدبَّابات والمجنزرات ، وكذلك في فلسطين المباركة في أزمة الحصار المشدد على مدنها وقراها ، وعمليات الاغتيال الصهيوني لقادة الجهاد والصمود ، في الوقت الذي كان فيه كثير من شباب العالم الإسلامي قد أطلق بصره ، وأرخى سمعه لما يعرض في هذه الفضائيات من مشاهد مخزية ، يستحيا ـ والله ـ من ذكرها.

وإذا كنَّا قد علمنا مكمن الدَّاء ، وموطن الخلل ، فليت دعاة الإصلاح والتغيير يستشعرون المسؤولية الفردية والجماعية ، والتأهل للإنقاذ وللمشاريع الإصلاحيَّة لهذا الشباب التائه، الذي قلَّ مَنْ أخذ بيده ، وبيَّن له طريق النَّجاة ، والحلول المثمرة ، والبدائل النافعة والإيجابيَّة.

في الوقت نفسه فنحن لا نريد حلولًا مستوردة من الغرب الكافر، ولا بدائل غير شرعيَّة ، أو فيها تنازلات عن سنَّة خير البرية ؛ فمعاذ الله أن يُنصح بذلك ، وقد قال الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ شيئًا من هذا القبيل ثمَّ أعقبه قائلًا: (لكن لا يجوز لأحدٍ أن يغيِّر شيئًا من الشريعة لأجل أحد) (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/133)

بيد أنَّ من أراد أن يحمل نفسه على تجنُّب البدائل المباحة ، والالتزام بالأوامر والنَّواهي الشرعية فله ذلك ، وصاحب العزمات يأخذ بالأقوى ، وقد يكون في جانبه أفضل ، إلاَّ أنَّ عليه أن لا يقارن نفسه بغيره من الناس، و لا يفرض عزيمته على ضعفاء الدين ، وقليلي الإيمان ، ومن المعلوم أنَّه إذا أردت أن تطاع فأمر بالمستطاع.

ولن يستطيع الداعية مهما أوتي من فصاحة وإقناع أن يصنع ذلك المجتمع المثالي المتخيل في الذهن ، وخاصَّة أننا نعيش في هذا العصر المنفتح ، والذي تعجُّ فيه الفوضى الفكرية ، والمتنوعات الثقافيَّة ، وكلٌّ منها تضغط بطرف على العقول والأمزجة محاولة أن تقنعها بمثلها ومبادئها.

فمهمَّة الدعاة إذًا أن يأتوا البيت من بابه ، ويضعوا الحقَّ في نصابه، ويرشدوا أبناء هذا الجيل مبيِّنين لهم مخطَّطات الغرب، ووسائل المجرمين بالإطاحة بهذا الجيل عن غاياته النَّبيلة وأهدافه السَّامية.

* أمور هامَّة للدعاة إلى الله:

وثمة نقاط أحبُّ أن أذكِّر بها نفسي ومن سلك طريق الدعوة ، وكل قارئ لهذا المقال ، يجدر التنبيه إليها ، والتلويح بها:

1ـ يجدر بدعاة الإسلام وأهل التربية أن لا يخاطبوا الناس من برج عاجي ، أو صومعة فكرية ، بل عليهم أن ينزلوا إلى ميدان الناس ، وواقع البشرية ، ويتأملوه حقَّ التأمل ، فما كان فيه من خير أثنوا عليه وأشادوا به ، وما كان فيه من خطأ فلينبهوا الناس له ، ويرسموا لهم طريق الصلاح ، ويزنوا جميع الأمور بمعيار الشريعة ، ويعطوهم البدائل المباحة بقدر الإمكان ، وإيجاد الحلول والمخارج الشرعيَّة ، لا الحيل الباطلة البدعيَّة.

فأمَّا التشديد على الناس في أمورهم فهذا لا يليق بدعاة الحق والرشاد، بل هو أمر يحسنه كلُّ أحد ، وقد قال الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ: (إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة ، فأما التَّشدد فيحسنه كلُّ أحد) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1/784) وقال الإمام أحمد بن حنبل: (من أفتى ليس ينبغي أن يحمل النَّاس على مذهبه ويشدِّد عليهم) الآداب الشرعية لابن مفلح (2/45) ولا يعني ذلك أن نكون مماثلين لدعاة العصرنة والمسايرة لهذا العصر، والتراجع تحت ضغط الواقع ، والَّذين يتبنون تتبع رخص العلماء وزلاَّتهم ويبنون عليها أحكامًا يقنِّنونها للناس حتَّى يتعاملوا بها فإنَّ هذا غير هذا ، ولا شكَّ أنَّ التفريط أخٌ للإفراط ؛ فالمطلوب أن يكون الدَّاعية وسطيًا في فتاويه وآرائه على وسطيَّة أهل السنَّة والجماعة ورحم الله من قال:

عليك بأوساط الأمور فإنَّها *** نجاةٌ ولا تركب ذلولًا ولا صعبا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت