ولهذا فإنَّ العالم الذي جمع بين العلم والتربية لن يغفل عن دراسة نفسيَّات النَّاس ، وإعطاء كلَّ ذي حقٍ حقَّه من الحكم الملائم له، ورضي الله عن الإمام ابن تيمية حين علَّق على حديث رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ( كلُّ لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلاَّ رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته امرأته ؛ فإنَّهنَّ من الحق) أخرجه ابن ماجه (2/940) والنَّسائي ، انظره مع شرح السيوطي (6/185) بسند صحيح.
فقد علَّق ابن تيمية على هذا الحديث تعليقًا نفيسًا مبينًا خلاف ما يعتقده البعض من قارئي هذا الحديث بأنَّ كلمة (الباطل) فيه يعني (المحرَّم) فقال: (والباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يرخص للنفس الَّتي لا تصبر على ما ينفع ، الاستقامة(1/277 ، ولهذا أُثر عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: إنِّي لأستجمُّ نفسي بالشَّيء من الباطل،لأستعين به على الحق) مجموع الفتاوى (28/368)
ومن هنا نستنتج أنَّ معرفة الدَّاعية لنفسيات المدعوين وأهل المعصية ومراعاتها كلٌ بحسبه، تعتبر من أهمِّ المهمات ليتدرج معهم في إزالة ما لديهم من قصور ديني ؛ فهو خبير بأنَّ الخروج عن المألوفات من أشق الأشياء على النفوس ، ولذا فإنَّه يعطيهم من البدائل المباحة الَّتي تجعلهم يتناسون ما كانوا عليه، متدرجًا بهم بهذه الطريقة إلى مرحلة القناعة والطمأنينة بما هم فيه ، ومن أقوى ما يحتجُّ به لذلك ، ما قاله عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه يومًا منكرًا عليه عدم إسراعه في إزالة كلِّ بقايا الانحراف والمظالم والتعفية على آثارها ورد الأمور إلى سنن الراشدين: مالك يا أبتِ ! لا تنفذ الأمور؟ فو الله ! ما أبالي لو أنَّ القدور غلت بي وبك في الحق !) وتأمل كيف كان جواب الأب الفقيه عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ: (لا تعجل يا بني ! فإنَّ الله ذمَّ الخمر في القرآن مرتين وحرَّمها في الثالثة ، وإنِّي أخاف أن أحمل النَّاس على الحقِّ جملة فيدعوه جملة، فيكون من ذا فتنة) الموافقات للشاطبي (2/94) ولهذا فإنَّ التدرج في الوصول إلى الحقِّ بهذه التربية سببٌ أكيد لقناعة المدعوين ، وليأخذوا بهذه الأحكام بتمام الرضى والفهم العميق لمقاصد الشريعة الإسلامية . قال الإمام ابن القيِّم: (إنَّ حكمة هذا التدريجِ التربيةُ على قبول الأحكام ، والإذعان لها ، والانقياد لها شيئًا فشيئًا) بدائع الفوائد (3/184)
2ـ التشجيع للشباب المخلصين بإيجاد البدائل الشرعية، وإنتاج المشاريع والبرامج المعينة والجذَّابة لمن ابتلي بمتابعة الصور الهابطة ، والأصوات المحرَّمة، وإنَّ من أهمِّ الأمور في ذلك بثُّ روح الإبداع والتفكير، والابتكار والطُّموح لصناعة البدائل وإيجادها والموافقة لروح الشَّريعة والاستفادة من المعطيات الجديدة، وتنمية الحس لأهمية الاطِّلاع والقراءة ، وكسر جميع الحواجز الَّتي تحول دون الإتيان بالجديد، وبورك في الشباب الطَّامحين.
وما قتل البعض منَّا إلَّا الترديد لتلك المقولتين القائلتين: (ليس بالإمكان أحسن مما كان) و (ما ترك الأولون للآخرون شيئًا) ، فإنَّ هاتين المقولتين أصبحتا حجر عثرة لكلِّ يائس أو كسول أو رجل ألف التقليد، مع الضَّحالة العلمية والعقم الفكري (وحين يكون هناك جدب ثقافي ، وضحالة فكرية فإنَّ الإنسان لا يهتدي إلى كثير من البدائل الَّتي تتاح لأهل الثَّراء الفكري) من كتاب / خطوة نحو التفكير القويم ـ ثلاثون ملمحًا في أخطاء التفكير وعيوبه لعبد الكريم بكَّارصـ59.
3ـ عدم الدوران في فلك الذات ، وإغلاق منافذ البصيرة في وجه أيِّ جديد بحجَّة أنَّ هذه العولمة المعاصرة أكثرها شرٌ وفساد ، بل ينبغي أن ننظر إلى كلِّ جديد ونزنه بالشرع ؛ فما وافقه فحيَّ هلا ، وما خالفه فإن استطعنا أن نبيد مادَّة الحرام منه فعلنا، وإن لم نستطع فلنضرب به عرض الحائط ولا نبالي، ورحم الله من قال:
والشرع ميزان الأمور كلها *** وشاهد لأصلها وفرعها
ومن جميل كلام أبي حفص النيسابوري: (من لم يزن أفعاله وأقواله كلَّ وقت بالكتاب والسنَّة ، ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال) الاستقامة لابن تيمية /96ـ99.
شاهد ذلك أنَّه قبل أن نحكم على أي شيء فعلينا أن نعرف حقيقته وماهيته ، ثم يُطلق الحكم الشرعي المناسب له ، والقاعدة الأصولية تقول: ( الحكم على الشيء فرع عن تصوره ) .
4ـ لا يعني أنَّه إذا نودي بإيجاد البديل المنضبط ، أن يكون هذا ديدن الدعاة في كلِّ شيء ، بل ينبغي أن ينادي الدعاة بأنَّه ليس كلُّ شيء حرِّم يستطاع أن يؤتى ببدائل تحل عنه، وأنَّ هذا البديل الذي استهلك العقل البشري في التفكير لإيجاده ، ليس شرطًا أن يكون فيه كلُّ مظاهر اللذَّة والمتعة عن الشيء المحرَّم، إلاَّ أنَّه ينبغي أن تكون فيه مادَّة تصرف من تعلقت نفسه بالماضي ، وتكون فيه روح شفَّافة جذَّابة ليتعلق بها.