فهرس الكتاب

الصفحة 5606 من 27345

4.الداعية والمربي حين يواجه واقعا يحتاج إلى صبر ، وتدرج في الإصلاح فهذه الحالة هي من العسر الذي يجلب تيسيرا ، بل لابد من التدرج حينئذ ، باعتبار أن الدعوة واجبة ، ولا يتم القيام بها إلا بهذه الطريقة ، والقاعدة الشرعية تقول: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) (11) 5.الدعوة إلى الله عز وجل واجبة على كل قادر ، وهي حمل عظيم لا يستطيع النهوض به فرد واحد ، فوجود هذا العبء العظيم يقتضي التعاون في أدائه ، وتوزيع المهام على كل قادر ، وألا نترك أهل الهمم العليا وحدهم في الطريق ، بل نتعاون تعاونا تكامليا ، دون أن ننظر إلى قلة إسهام البعض بعين الانتقاص ، بل نكون كما قال إقبال:

شرار الفأس دع من قال عنه ... ...

أمن فأس؟ أمن حجر يكون؟

القاعدة الرابعة: الضرر يزال

ومفاد هذه القاعدة: أن الضرر في الإسلام ممنوع بكل حال ، ولابد من إزالته بالكلية إن أمكن ، فإن لم يمكن وتعين ارتكاب أحد الضررين أو الأضرار فيرتكب أهون الضررين لدفع أعظمهما ، ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، كما أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح

ومن أدلة هذه القاعدة ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال"لا ضرر و لا ضرار" (12)

ومن التطبيقات الدعوية لهذه القاعدة:

1.إلحاق الأذية بالمسلم ممنوع بكل حال ومن ذلك: غيبته ، ويحسن هنا التحذير من تلبيسات إبليس في هذا المجال وتزيينه للبعض بأن هذه ليست غيبة وإنما هي من باب النصح للمسلمين ، والتحذير من مسلك فلان، ولكن هذا ليس على إطلاقه فهذا مسلك دقيق ، وللتحذير من أصحاب البدع والأهواء ضوابط نبه عليها أهل العلم - ليس هذا موضع بسطها - وليست أعراض المسلمين كلاء مباحا يسومه من شاء ، فيجب أن يحذر الداعية الهوى الدفين وحظوظ النفس ، وقد تقنع الخلق وتموه عليهم ، وقد تنطلى تلك الحيل عليهم ، ولكن هل راقبت من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟

ومن صور إلحاق الضرر بالمسلم الوشاية به ، والإرجاف ، وإطلاق الشائعات الكاذبة ، والمساهمة في تعطيل مشروعه الدعوي ،وانتقاصه والتهوين من شأن عمله في الدعوة إلى الله عز وجل ، بحجة مخالفته لك في الاجتهاد ، أو سلوكه طريقا تراها أنت غير مجدية ، وقد قال الإمام مالك رحمه جوابا لمن أنكر عليه قعوده عن الخروج في سبيل الله مجاهدا (أرجو أن يكون كلانا على خير وبر(13) وقبل ذلك كان في الصحابة حسان بن ثابت للشعر وخالد للجهاد ، وزيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم ، وبلال للأذان ،ولم ير أحد منهم أن عمل الآخر عبث أو مضيعة للوقت ، وإن كانت الأعمال في نفسها تتفاضل

2.لا يتخذ المسلم من أذية غيره له ذريعة إلى أن يؤذي هذا الغير إلا من باب قوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله) (سورة الشورى ،الآية 40) وقوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (سورة النحل الآية 126) وهذا هو الأصل بالنسبة للفرد المسلم ، لكن بالنسبة لعموم الدعاة وأهل الخير فقد يختلف الأمر فيما إذا كان المعتدي أو المضار قد ثلم عرض مجموع أهل الخير وشوّه سمعتهم بالزور والبهتان والطعن الكاذب ، فقد يندب رد عدوانه وإيقافه عند حدّ لا يجاوزه ، بل والمطالبة له بالاعتذار أو إكذاب نفسه لأن المصلحة هنا عامة ، والتساهل في هذا الأمر يفضي إلى مزيد من التطاول الذي لا يقف عند حد .وعند الرد لابد من مراعاة الضوابط اللازمة من تخصيص هذا الردع بالفاعل دون أسرته وأهله ، وأن يكون الردع على قدر فعله، ثم قبول إنابته والكف عنه حينئذ.

3.التصرفات التي تلحق الضرر بالفرد والمجتمع ممنوعة ، ويحكم على هذه التصرفات من خلال الموازنة بين المصالح والمفاسد للعمل الدعوي . وكذلك يجب التركيز على مآلات الأمور وعواقبها دون الاكتفاء بالنظرة الآنية القاصرة

4.الحاجة إلى إحياء فقه الموازنات ، وفقه الأولويات ، وهناك كتابات ناضجة ، ولله الحمد ، من ناحية التأصيل ، لكن الناحية التطبيقية في حاجة إلى المزيد

القاعدة الخامسة: العادة محكمة

والعادة في اللغة: مأخوذة من العود أو المعاودة بمعنى التكرار ، ومادة العادة تقتضي تكرار الشيء وعوده تكررا كثيرا يخرج عن كونه وقع بطريق الاتفاق (المنثور في القواعد للزركشي 2/357،358) والعادة هي العرف:"عادة جمهور قوم في قول أو فعل (المدخل الفقهي العام،للزرقا 2/840) "

وهذه قاعدة أصيلة تعني أن الأعراف معتبرة شرعا طالما أنها استوفت الشروط الشرعية . ومن أهمها: ألا تخالف -هذه العادة أو العرف- نصا شرعيا ، وان يكون هذا العرف مطّردا أو غالبا، وأن يكون العرف موجودا أو قائما عند إنشاء التصرف ، وألا يعارضه تصريح بخلافه، وأن يكون هذا العرف ملزما (القواعد الكبرى في الفقه الإسلامي ، د. عبد الله العجلان ص94)

ومن الأدلة على اعتبار هذه القاعدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت