6-مخالفات الدعوة إلى توحيد الأديان، أو التقريب بينها للإسلام: الدعوة إلى توحيد الأديان أو الترتيب بينها، أو محاورة أصحابها للعيش معهم في أمن وسلام وطمأنينة واحترام تصطدم مع الإسلام وتتعارض معه تعارضًا بينًا واضحًا. ومن أبرز مخالفاتها للإسلام وأشدها خطرًا على المنادين بها والداعين إليها, وعلى من وافقهم في ذلك, إنها تقوم على نقضين من نواقض الإسلام ومبطلاته, هذا بجانب مخالفات أخرى شديد خطرها على عقيدة المسلم.
والناقضان هما:
1-أن من لم يكفّر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم؛ كفر.
2-أن من تولى الكفار، وتعاون معهم، وظاهرهم على المسلمين؛ كفر.
أما المخالفة الأولى: أن من لم يكفّر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم؛ كفر:
فالإسلام هو الحق المحض فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال تعالى: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [32] } [سورة يونس] . قال القرطبي: 'وقال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى' [ الجامع لاحكام القرآن ج8/336] . ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله بأنه حق وصدق، فالإسلام هو الحق والله هو الحق، وما سواه باطل يجب الكفر به وإنكاره.
والذي لا يكفّر اليهود والنصارى، والمجوس، وعباد الأوثان والملاحدة وغيرهم، أو يشك في كفرهم، أو يصحح مذاهبهم، أو مذاهب بعضهم؛ فقد شك في القرآن، وشك في صدق الله ورسوله, وذلك أن لله تعالى حكم، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ما سوى الإسلام باطل محض.
فكفر اليهود والنصارى والمشركين عامة شهد به القرآن، ونطقت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، ومع كل ذلك نجد بعض الناس في هذا العصر يزعم أن اليهود والنصارى مؤمنون, ويدعو إلى قيام جبهة عريضة وحزب واسع يضم أتباع كل الأديان على أساس الملة الإبراهيمية يسمى الحزب الإبراهيمي!!
ومن شبهات دعاة توحيد الأديان في هذا العصر!!:
1-قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [6] } [سورة الكافرون] ربما يفهم البعض من هذه الآية إقرار أهل الأديان المخالفة للإسلام على دينهم فهل هذا هو المراد من الآية؟
العلامة ابن القيم رحمه الله يبّين لنا المراد من ذلك, فيقول في تفسير سورة الكافرون: 'قوله [لكم دينكم] مطابق لهذا المعنى: أي لا أشارككم في دينكم ولا أوافقكم عليه بل هو دين تختصون أنتم به لا أشرككم فيه أبدًا فطابق آخر السورة أولها فتأمله.-إلى أن قال-: والآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقهم عليه أبدًا؛ فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذه غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار...؟ أترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} بل هذه آية قائمة محكمة، ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يُطهِر الله منهم عباده وبلاده, وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل سنته، وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته لكم دينكم ولنا ديننا، لا يقتضى إقرارهم على بدعتهم بل يقولون لهم هذه براءة منهم، وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم، ولجهادهم بحسب الإمكان' [ بدائع الفوائد لابن القيمج1/140-141] .
2-نريد أن نوحدهم على أصول الملة الإبراهيمية!!: هذا هو ما قاله د. الترابي إنه يريد أن يوحد جميع الأديان التي هي على أصول الملة الإبراهيمية.
مع أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا كما أخبرنا الله: { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [67] } [سورة آل عمران] . ومن ثم فانّ اليهود والنصارى الحاليين ليسوا على ملّة إبراهيم، بل هم ممن سفه نفسه؛ لأنهم رغبوا عن ملّة إبراهيم: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ... [130] } [سورة البقرة] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: 'وإذا كان كذلك فاليهود والنصارى ليسوا على ملّة إبراهيم, وإذا لم يكونوا على ملّة إبراهيم فإن من عبد إله إبراهيم كان على ملّته قال تعالى: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [135] } [سورة البقرة] . فقوله:قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}يبين أن ما عليه اليهود والنصارى ينافي ملّة إبراهيم'.