ميزة التورق المنظم
إذن يتميز التورق المنظم بثلاث
الأولى: أن البنك يشتري السلعة سلفا ، قبل طلب العميل ، على أن بعض البنوك لا تشتري إلا بعد طلب العميل ، وهذا لا يخرجه عن كونه تورقا عندهم لتميزه بالميزتين اللاحقتين .
الثانية: أن البنك يرتب تنظيما مع الشركة البائعة ، والشركة المشترية في السوق الدولية ، وذلك قبل عقد البيع .
الثالثة: أن البنك يقوم ببيع السلعة التي اشتراها منه عميله ، نيابة عنه . وهذه أظهر ما يميز التورق المنظم .
سادسا: في بيان تعريفه:
أولا: في بيان ما سبق أن قيل فيه
لم أعثر ـ فيما وقفت عليه ـ على تعريف للتورق المصرفي خلا تعريف د . سامي السويلم ، حيث عرفه ( قيام المصرف ، أو المؤسسة المالية بترتيب عملية التورق للعميل ، بحيث يبيع المصرف سلعة ـ وهي غالبا معدن من المعادن المتوفرة في الأسواق الدولية ـ على العميل بثمن آجل ، ثم يوكِّل العميل المصرف ببيع السلعة نقدا لطرف آخر ، ويسلم المصرف الثمن النقدي للعميل( 1) .
ثانيا: في بيان رأيي في الموضوع
وظاهر أن التورق المصرفي المنظم يشتبه بالتورق المعلوم لدي الفقهاء ، ويفترق عنه من جهة ما هو عليه من تنظيم صار وصفا لازما له ، ومؤثرا فيه ، لذا سيأخذ من تعريف التورق بطرف بقدر ما يتفقان فيه ، وسيفترق عنه بقدر ما يفترقان فيه ، فأرى أن يعرف بأنه: ( تحصيل النقد بشراء سلعة من البنك ، وتوكيله في بيعها ، وقيد ثمنها في حساب المشتري ) .
وبهذا المبحث التصويري أحسب أنه قد تم تصور التورق المصرفي المنظم ، وبه تمهد المقام للحكم على التورق المصرفي المنظم ، في المبحث الآتي .
المبحث الثاني
الدراسة الفقهية
مقدمة:
مقصود هذه الدراسة الحكم على التورق المصرفي المنظم بعد بيان ما يبنى عليه هذا الحكم من اعتبارات ، وفق المطالب الآتية:
المطلب الأول: في بيان تخريجه
أولا: في بيان ما سبق أن قيل فيه:
لم أعثر ـ فيما وقفت عليه ـ من الدراسات السابقة على تخريج للتورق المصرفي المنظم ، حيث أن أنصاره انطلقوا من كونه تورقا ، فأغناهم ذلك عن تخريجه .
وبعضهم يكتفي بذكر الفرق بينه وبين التورق المعلوم لدى الفقهاء ، وليس ذلك بتخريج .
أما خصومه: فيكتفون بإيراد ما عليه من إشكالات من شأنها أن تقضي بمنعه ، دون تعرُّض لتخريجه .
وبعضهم يكتفي بذكر الفرق بينه ، وبين التورق المعلوم لدي الفقهاء ، وليس ذلك بتخريج .
ثانيا: في بيان رأيي في الموضوع:
في هذا البحث سأعرض لتخريج التورق المصرفي المنظم فأقول:
1.التورق المصرفي المنظم غايته تحصيل النقد من المشتري"العميل"وهو من هذا الوجه يتفق مع التورق المعلوم عند الفقهاء .
2.التورق المصرفي المنظم يتكون من عقدين منفصلين:
أولهما: تعاقد البنك"البائع"مع العميل"المشتري"، والفرض أنه عقد بيع صحيح قد استوفي أركانه وشرائطه .
وثانيهما: تعاقد البنك بالنيابة عن العميل"المشتري"مع طرف آخر"مشتر"للسلعة ، غير بائعها الأول ، والفرض أنه عقد بيع صحيح ، قد استوفى أركانه وشرائطه .
وهو من هذا الوجه يتفق مع التورق المعلوم عند الفقهاء .
وبهذا يظهر أن حقيقة التورق المصرفي المنظم ، هي حقيقة التورق المعلوم لدى الفقهاء ، كما أن غايتَه غايتُه .
بيان الفرق بين التورق والتورق المصرفي
قد يعترض على هذا ، فيقال: إن في التورق المصرفي المنظم فروقا ، قد أهملتها في الاعتبار ، وهي:
أ / أن البنك يقوم باتفاقات سابقة على البيع ، مع كل من الجهة التي يشتري منها ، والجهة التي يبيع عليها ، وهو تواطؤ يقرب المعاملة من العينة .
ب / كما أن البنك يكون وكيلا عن العميل"المشتري"في بيع السلعة التي اشتراها منه ( ولولا وكالة المصرف بالبيع نقدا لما قبل العميل بالشراء منه بأجل ابتداءً ... ولو انفصلت الوكالة عن البيع الآجل ، لانهار البرنامج ولم يوجد التمويل أصلا ) ( 2)
قلت: ومحصلة هذين: صناعة القرض من خلال التواطؤ ، ويناقش بما يلي:
النظر في توكّل البنك عن العميل
أما توكل البنك عن المشتري"العميل"فهو غير مشروط في عقد البيع ، والمشتري فيه بالخيار ، وقد اطلعت على نماذج كثيرة ، من عقود البيع ، ليس فيها شرط توكل البنك عن العميل في البيع .
وحتى لو كان مشروطا ، فماذا فيه ، فإنه شرط لا ينافي مقتضي العقد ، وفيه مصلحة لأحد طرفيه ، وهو يتكرر في كثير من البيوع دون إشكال ،"كمن"يشتري حطبا ، ويشترط تكسيره"."
وليست الوكالة من عقود الإرفاق المحضة ، التي لا يجوز الأجر ، أو الاعتياض عنها ، كي يمنع ضمها إلى عقد معاوضة ، لتهمة اعتبار دخول الاعتياض عنها في مجمل الثمن .
فإذا لمس المشتري في التوكيل مصلحة له ، فماذا فيه إذا كان قد ملك السلعة ملكا صحيحا ؟ فلم يكن التوكيل حيلة لتحصيل النقد ، إذ كان البيع صورة ، ولا سلعة .
فإن قيل: ولكن البنك يلتزم للعميل ببيع السلعة بسعر التكلفة .