فهرس الكتاب

الصفحة 6042 من 27345

قلت: هذا ليس شرطا بينهما في عقد الوكالة ، وقد اطلعت على عدة عقود ، كلها نصت على أن يكون البيع بالسعر السائد وقت البيع بهذه العبارة" ( بالسعر السائد وقت البيع ) ."

لكن البنك يلتزم بذلك للعميل ، على نحو لا ينزل منزلة الشرط ـ وهو مما يحصل واقعا ، ويجري عليه العميل ـ وذلك بحكم خبرته في السوق ، ولقصر الوقت الفاصل بين الشراء ، والبيع ، فيؤمن معه تقلب الأسعار ، ولو حدث فهو يسير ، فما المانع منه ؟ فإنه أدخل بالنصح الذي تتطلبه الوكالة ، وفيه مصلحة الموكِّل ، دون ضرر على غيره .

فإن قيل: هذا دال على أن قصد المشتري"العميل"الدراهم .

قلت: وماذا فيه أيضا ، فإن البضاعة إذا كانت ملكه ، كان له أن ينتفع بها في أوجه الانتفاع المباحة ، ومنها: الانتفاع بثمنها ، وعلى الممانع الدليل .

فإن قيل: ( قصد الشارع من تشريع عقد البيع هو تلبية حاجات المشتري إلى السلعة ، والبائع إلى الثمن ، فإذا اشترى المتورق سلعة لا حاجة له فيها ، ولا في استعمالها ، ولا في الاتجار بها ، وإنما يقصد الحصول على نقد حال ، على أن يدفع أكثر منه بعد أجل معين فقد ناقض قصده الشارع في تشريع عقد البيع .(3)

قلت: الشارع الحكيم شرع البيع لتحقيق مصالح الخلق ، ومن ضمنها الانتفاع بالسلع: باستعمالها ، أو الاتجار بها ، أو الانتفاع بثمنها ، كما هو الشأن في التورق ، وما استدل به على إخراج هذا الانتفاع من دليل ، هو:"مناقضة قصد الشارع"لا يظهر للخاصة ، فضلا عن العامة ، وما كان الله ليحرم شيئا ، ويخفي دليله إلا عن خاصة الناس ، فهذه مشقة تتنزه عنها الشريعة .

هذا فضلا عما يعضد التورق ، مما هو به أولى من هذا المنزع ، وهو حديث ( بع الجمع بالدراهم ، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا ) . (4)

حيث وجه الحديث من امتنع عليه تحصيل شيء من طريق ، أن يسلك طريقا آخر مشروعا في تحصيله ، والتورق منه ، وعلى المانع الدليل .

على أن ما ذكر مراعي في باب فضائل المعاملة ، وآدابها ، لكن لا يرقى إلى التحريم .

فإن قيل: قد جاء في المدونة: ( ولقد سألت مالكا عن الرجل يبيع السلعة بمئة دينار إلى أجل ، فإذا وجب البيع بينهما ، قال المبتاع للبائع: بعها لي من رجل بنقد ، فإني لا أبصر البيع ؟ قال: لا خير فيه ، ونهى عنه ) (5)

قلت: هذا توسع منه _رحمه الله تعالى_ في سعد الذرائع ، فإنه علَّل نهيه عن التوكل في بيعها ، في سؤال لا حق: أنه ليس له أن يشتريها .

قلت: وفرق بين أن يشتريها ، وبين أن يبيعها بالوكالة على غيره .

ثم أن توكله في بيعها يحقق للمشتري"العميل"مصلحة كانت ستفوت عند عدمه وهي: تقليل الخسارة على المشتري"العميل"وما كان ممنوعا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة .

فإن قيل: ولكن المشتري الأخير كان على مواطأة مع البنك من خلال اتفاق سابق على عقد البيع ، مضمونه أن يشتري منه ما يعرضه عليه من سلع دولية ، بسعر التكلفة .

النظر في الاتفاقات السابقة على عقد البيع

قلت: عدنا إلى إشكال الاتفاق السابق على البيع ، مع كل من الشركة البائعة ، والمشترية ، وماذا فيه أيضا ، إذا كان هذا الاتفاق لا يمثل عقدًا ، ولا إلزام فيه ، لكن تقتضيه طبيعة التجارة الدولية ، أيًا كان المعاملة ، وهو من الأحكام التي لا ينكر تغيرها بتغير الزمان ؟

فما يبرمه البنك من اتفاق سابق مع الشركة التي يشتري منها ، والأخرى التي يبيع عليها ، ما دام موضوعه تحديد شروط ، وأحكام ، واعتبارات ، ينبغي أن

لها عقد البيع عند وجوده: لا ما نع منه ، ما دام موضوع هذا الاتفاق ، ومحتواه مشروعًا .

فإن قيل: ولكن البنك يلزم بموجب هذا الاتفاق الشركة المشترية بالشراء .

قلت: هذا ممنوع ، وينزل على حكم الوعد الملزم في بيع المرابحة للآمر بالشراء (6)

وهو لا يمنع أن تكون المعاملة تورقا ، لكنه قد يؤدي إلى أن يكون البيع فاسدا .فإن قيل أن البيع بهذا التنظيم يكاد يكون صوريا ، فتؤول المسألة إلى العينة .

بيان صور وحكم العينة

قلت: العينة تتدرج من الجواز إلى المنع في صور:

1.فأهونها: أن لا يبيع الرجل إلا بدين ، وذلك عينه كرهها أحمد ( 7) .

2.وأشد منها: أن يشتري الدائن سلعة من تاجر ليبيعها على المستقرض"المدين"ثم يبيعها المدين على التاجر الذي باعها على الدائن أولًا .

3.وأشد منها: أن يبيع الدائن سعلة على المستقرض"المدين"ثم يبيعها المدين على ثالث ، ليبيعها على البائع الأول"الدائن"ويأخذ منه الثمن ، فيسلمه المستقرض"المدين"وهي:"العينة الثلاثية"، وقد جئ بالثالث حيلة على العينة .

4.وأشد من هذه الصور كلها: أن يبيع الدائن سلعة على المستقرض"المدين"بثمن مؤجل ، ثم يشتريها منه بثمن أقل نقدا ، وهي: العينة الثنائية"."

ولنسمها ذريعة من"الدرجة الأولى"ولهذا يمنعها الفقهاء عدا الشافعية . (8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت