فهرس الكتاب

الصفحة 6204 من 27345

فإن من تابع نفسه في كل ما تطلب أهلكته، لذلك قال تعالى في عاقبة من يخالف نفسه في هواها: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [40] فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [41] } [سورة النازعات] . و النفس قد تكون طاغوتًا يعبد من دون الله دون أن يدري الإنسان منا، قال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [23] } [سورة الجاثية] . فاتباع الهوى سبب الضلال، قال تعالى: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [50] } [سورة القصص] .

فهذب نفسك، وأعلمْها حقيقتها، فهي أمة لله، فلابد أن تقيم حاكمية الله على النفس، فالله هو الذي يحكم نفسك، وليست الشهوات، ولا الشيطان . وأعداء الإسلام لا ينفكون في تزيين الباطل للناس، حتى تتحطم عقيدة المسلمين في خضم الشهوات والملذات، إنها كما قيل: صناعة الغفلة!

لما أراد الله أن يربي يحيى ليحكم صبيًا قال: { يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [12] } [سورة مريم] . وهو صبي يحكم؛ لأنه تربى على الجدّ والرجولة، لا على الترف، ولا على الشهوات، ولا على متابعة النفس، ومطاوعة الرغبات، ولا على توفير المطالب: { يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [12] وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا [13] وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا [14] } [سورة مريم] . فأين هذه الصفات في شبابنا الآن؟!

إن الله أمرنا بالجدية في الإسلام، فقال: { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [13] وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [14] } [سورة الطارق] . فالأمر ليس هزلًا.. إننا اليوم نرى سمات الصالحين في الظاهر، ولكن على قلوب فارغة، على عقول فارغة- وأنا آسف إن قلت هذا- ولكن هذا واقع للأمة لابد من تصحيحه؛ لأنه عار علينا، ووصمة للدعوة، وقد بدأت تظهر أمور لا تمت بصلة للإسلام، في المعاملات، وأكل أموال الناس بالباطل، والمشاكل الأسرية والطلاق، والأولاد الذين كنَّا نعقد عليهم آمالنا، أولاد الملتزمين الذين لم يعرفوا الجاهلية التي مرَّ بها آباؤهم، فوجدنا من كبر منهم ـ وللأسف ـ بعضهم أسوأ من أبيه، فلابد من وقفة للتصحيح، لابد من ضبط مواقع الأقدام، قبل أن تذل بنا في جهنم.

التخلص من مظاهر عدم الجدية: ومن أخطر تلك المظاهر: الرضا بالظواهر والشكليات، ونسيان القلب والأعمال، فليس جل الدين في اللحية والقميص القصير والنقاب، إنها من شعائر الإسلام، وينبغي علينا أن نلتزم بها، لكن لأنَّ هذه السنن صارت شعارًا لأهل الإيمان ومعشر الملتزمين في هذا الزمان، فلا شك تسرب بينهم من ليس منهم، واكتفى بهذه الأمور، ومن هنا عدنا نقول: الملتزم هو الصوَّام القوَّام، الملتزم هو القائم بالقسط، الملتزم هو من خلا بيته من المنكرات، من يتفقه في دينه، من يفهم عن ربه، من يعمل في تزكية نفسه، هذه هي المعايير، ومن ابتعد عن هذا فليس من الملتزمين، فقف لتحاسب نفسك .

إنني أسأل: منذ أن التزم الواحد ماذا حصَّل من العلم الشرعي الذي زاده قربًا إلى ربه؟ ماذا حصَّلت من العقيدة؟ ماذا درست في الفقه؟ كم كتاب قرأت؟ وعلى من تعلمت؟ هل تجيد قراءة القرآن الذي هو فرض عين عليك؟ كم حفظت منذ أن التزمت من القرآن؟ ما أخبار قيام الليل وصيام النهار والمحافظة على الأذكار؟

أيها الأخ الحبيب .. ينبغي أن يكون الفرق بينك الآن وبين أيام الجاهلية شاسعًا، لابد أن تتغير جذريًا، فاللسان يلهج بالذكر، والعين تبكي خشية لله، القدم تتورم من القيام، قلبك لا تجده إلا في دروس العلم، أذنك تعودت على سماع القرآن وهجرت الموسيقى والغناء .

أين الإخلاص؟! أين حملة الدين؟ أما رأيتم الرويبضة وهم يمرقون من الدين، إن هؤلاء ما تجرأوا على الدين إلا بسبب تقصيرنا؟ تقصير في طاعة الله، تقصير في الدعوة إلى الله، والواحد منَّا جل ما يصنع أن يقول: أنا مقصِّر، ادعُ الله لي !! . مقصر!! فلابد من علاج، فليس الأمر أن تتهم نفسك في العلن، ثمَّ لا يتبع ذلك ندم وتوبة .. نحن لا نيأس من رحمة الله، والله وعدنا إنْ أصلحنا من أنفسنا أن يغير ما نحن فيه من غربة، فالأمل سيظل معقودًا أبدًا، والمستقبل للإسلام، وإن كره الملحدون والكافرون، والتمكين للدين آتٍ بإذن الله، نسأل الله أن يمكن لدينه في الأرض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت