زيادة الطاعات وعدم الاغترار بالعمل اليسير: معتقد أهل السنة والجماعة أنَّ الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فإن لم يكن يزيد فإنه ينقص . أريد أن يزيد إيمانك كل يوم، تقرب إلى الله بما تستطيع، ولا تغتر بالعمل اليسير، ولا تكثر التشدق بالإنجازات، لأنَّ هذا قد يورث العجب والفرح بالعمل والاشتغال بالنعمة عن المنعم، فقد تجد أن الأخ إذا وجد نفسه مقيمًا للصلوات في الجماعة، وقام ليلة أو ليلتين، ظن نفسه من أولياء الله الصالحين، وهذا قد يبتلى بترك العمل، لأنه لم يشكر النعمة وإنما نسب الفضل لنفسه، ولذلك كان المؤمنون هم أكثر الناس وجلًا، فليس الشأن في العمل وإنما في قبوله، قال تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [60] } [سورة المؤمنون] . فالاغترار بالعمل اليسير، وكثرة الكلام عن الأعمال التي يقوم بها؛ دليل أنه لن يكمل، ولن يتم فاستر نفسك، قال الإمام ابن القيم في 'مدارج السالكين': ' ولله در أبي مدين حيث يقول: ومتى رضيت نفسك وعملك لله، فاعلم أن الله عنك غير راضٍ، ومن عرف نفسه وعرف ربه؛ علم أن ما معه من البضاعة لا ينجيه من النار، ولو أتى بمثل عمل الثقلين ' .
نعم الذي يرى نفسه مؤمنًا خالصًا فهذا معجب مغتر بنفسه، لابد أن ترى دائمًا نفسك بعين النقص والعيب، ولا تأمن، فإنَّ إبراهيم الخليل عليه السلام لم يأمن على توحيده، بل ابتهل إلى ربه وقال: { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [35] } [سورة إبراهيم] .
عدم التسويف: فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام: كثرة الوعود والأماني مع التسويف، فتجد المرء منَّا يمني نفسه، تقول له: احفظ القرآن، فيقول: سأحفظ إن شاء الله عندما أجد الوقت . وبطبيعة الحال لا يجد الوقت فهو مهموم دائمًا، يقول: عندما أنتهي من الدراسة سأتعلم العلم الشرعي، وأتفرغ للدعوة إلى الله، ثمَّ تنتهي فيبدأ في البحث عن العمل، ثمَّ يقول: لابد أن أتزوج، فيظل مهمومًا بأمر الزوجة والبحث عنها، ثمَّ يجدها فيهتم بأمر الشقة وتجهيز المنزل، ثمَّ يتزوج فيبدأ في السعي لتحسين وضعه الاجتماعي، ثمَّ يرزق بالأولاد فيظل مهمومًا بأمورهم هكذا دواليك . والعجيب أنّك قد تجد رجلًا من هؤلاء في النهاية قد رضي بهذا الضنك، ويقول: هذه سنة الحياة !! سنة الحياة أن تهجر الطاعات من أجل الهوى والشهوات !! بسيف التسويف قُتل أناس كثيرون، فالتسويف رأس كل فساد، فمن أجَّل الطاعات لغد وبعد غد لا يلبث أن يتركها بالكلية، فالشيطان يسول له، ويمنيه، ويغريه بطول الأمل، والموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل .
? فالحذر الحذر من التسويف، وطول الأمل، قبل فجأة الموت، وحسرة الفوت:
يا من تعمل في أعمال محرمة، إياك أن تسوِّف، فقد تموت قبل أن تتخلص منه، هيا الآن، لا تؤجل، لا تعطل، واتخذ هذا القرار الحاسم في حياتك فهذا دليل توبتك حقًا، لا أن تتشدق بالأوهام .
يا من يريد حفظ القرآن قل: سأبدأ حفظ القرآن اليوم، كل يوم ربع أو ربعين، وتلزم نفسك بذلك إلزامًا صارمًا، ولا تتهاون في عقاب نفسك إن قصرت، وإلا فستصبح من أصحاب المظهرية الجوفاء الذين يكثرون من الوعود والأماني .
أخذ الدين بشموليته: فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام الاكتفاء ببعض الجوانب في الدين دون الشمولية، وقد قال الله: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً... [208] } [سورة البقرة] . فكثير من الملتزمين يلتزم ببعض الجزئيات التي أحبها في الدين، وقد يكون ذلك هوى، فليس الهوى في فعل المحرمات، بل وفي فعل الطاعات أيضًا .
فملاحظة الشمولية في الدين أمر ضروري، فإنني أريدك متكاملًا في جانب العبادة: صوّام قوّام ذكّار لله، تتلو القرآن فتصبح ذا شخصية متألهة متنسكة، وعلى الجانب العلمي فأنت طالب علم مجتهد، حافظ للقرآن، ذو عقل وفكر نير واستيعاب شامل، وفي الجانب الدعوي فنشاط متقدم، سرعة واستجابة، وعدم رضا بالواقع، وتفكير متواصل في الطرق الشرعية لتحويل وتغيير مجرى الحياة، ذو تأثير ملحوظ في المحيط الذي تعيش فيه، كما قال الله تعالى في وصف نبيه عيسى عليه السلام: { وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ... [31] } [سورة مريم] .هذه هي الشخصية التي نبحث عنها، هؤلاء هم الرجال الذين يحق أن يمكن لهم في الأرض.
أما الرضا ببعض جوانب الدين، وتقسيم الدين إلى لباب وقشور، فهذه بدعة منكرة جرت من ورائها تنازلات كثيرة، وشقت الصف لا جمعته، تجد بعض الشباب رضي بالجانب العلمي وترك باقي الجوانب، تقول لأحدهم: لماذا لا تقوم الليل؟ فيقول: طلب العلم يستحوذ على كل وقتي .
وأنا أعجب من هذه التفرقة التي لا أصل لها، من قال أنَّ علماء السلف تركوا الاجتهاد في العبادة والدعوة من أجل طلب العلم؟!