فهرس الكتاب

الصفحة 6206 من 27345

وتجد آخرين لا همَّ لهم إلا الدعوة، يتجولون على الناس لدعوتهم وربطهم بالمساجد- وهذا في حد ذاته جيد- لكن دعوة بدون علم، هذا سرعان ما ينقلب على عقبيه، لأنه لم يفهم دينه، فربما يستجيب مرة أو مرتين بسيف الحياء، أو بفعل تحمس مؤقت، ثمَّ بعد ذلك لا تجده .وآخرون ارتضوا من الدين بالعبادة فلا تعلموا ولا دعوا، فمن أين لهؤلاء بهذا؟!!الدين كلُُ واحد، لا يصلح فيه الترقيع: { ...ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً... [208] } [سورة البقرة] . أي: جملة واحدة بجميع جوانبه .ولابد أن توزع طاقاتك من أجل خدمة هذه الجوانب الثلاثة: علم وعمل ودعوة، ومتى ضاع منك الوقت دون أن تثمر شيئًا في هذه الجوانب فاعلم أنَّ هذا من الخذلان، وأنَّ هذا لا يكون إلا بكسبك، فينبغي أن تتوب سريعًا، وإلا فمن يدريك أن الموت لن يكون أسرع مما تتوقع، وعلى هذا نتعاهد ونتواصى، وليأخذ كل منكم بيد أخيه، فإنها النجاة .

التعاهد على الثبات حتى الممات: فمن مظاهر عدم الجدية: التفلت من الالتزام لأول عارض، فمن أول شبهة، أو أول وارد من شهوة يتفلت، وسرعان ما تتتابع التنازلات، مرة ترك النوافل، ثمَّ مرة ترك الجماعة، بدأ يترك رفقة الصالحين، وفي الملتزمات تجدها تتنازل يوم عرسها فتخلع الحجاب، لماذا؟ لأنه يوم الزفاف ولا حرج، أو تتنازل فتتزوج من غير الملتزمين، وهكذا، تبدأ في خلطة غير الملتزمات، تبدأ في مشاهدة التلفاز، تبدأ في الاختلاط بالرجال، ثمَّ لا تسل بعد ذلك أين هي الآن؟!

هذا ما يورثه الفتور وعدم الجدية، فبهذه النفسيات لا يمكن أن يمكن لنا، لذلك لابد من أن نقف على أرض صلبة، لابد أن نثبت على الدين وإن قويت الرياح، لا نتزعزع، لا تكن انهزاميًا .

بعض الإخوة إذا أصابه شيء من القهر يجزع سريعًا، وآخرون يقعون في أول اختبار في شهوة، فإذا فتحت عليه الدنيا شيئًا ما؛ نسي ما قدمت يداه، فأين الثبات على الدين؟ أين الاستقامة على شريعة رب العالمين؟

إنَّ هؤلاء الذين يتفلتون من الالتزام لأول عارض شبهة، أو أول وارد شهوة يضيعون قبل ورود العوارض والموارد، لأنهم مهيئون نفسيًا للوقوع والسقوط .

والعلاج هو اليقين، هو الثبات حتى الممات، هو العقيدة الصحيحة الصلبة، والمنهجية في العلم والعمل والدعوة، وهذا يحتاج إلى صبر وتحمل، ولا يكون ذلك كله إذا لم يخلص العبد في الاستعانة بربه تبارك وتعالى فالزم .

عدم إكثار الشكوى وتضخيم المشاكل: فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام: كثرة الشكوى وتضخيم المشاكل وإيجاد المبررات، فدائمًا أبدًا شكاء، لا يرضى، وكل مشكلة صغيرة يضخمها، وهذا من البطالة وعدم الجدية .. وآخر صاحب منطق تبريري، فلا يريد أن يواجه نفسه ويلقي باللائمة عليها، بل يتذرع ويعلل ويبرر، وهو يدري أنَّه على غير الحق .

ومنهم: من إذا التزم بالدين صار عالة على الدعاة، ولسان حاله يقول: أنا صنعت ما قلتم لي، فعليكم أن توجدوا لي الحلول لكل مشكلاتي، وهل لما التزمت التزمت من أجل فلان وفلان أم ابتغاء وجه رب العالمين؟!

إن كثرة الشكوى وتضخيم المشاكل وإيجاد المبررات سبيل للنكوص ولابد، واستصحب دائمًا هذه النصيحة النبوية الذهبية: [...وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ...] رواه مسلم . [وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ] رواه الترمذي وأحمد .

نصيحة أخيرة: إننا نحتاج إلى إخوة جادين في كل شئون حياتهم، تبدو عليهم تلك السمات في أفعالهم، جادين في تفكيرهم، الهمّ الأول عندهم هو الدين، ثمَّ تأتي سائر الهموم بعد ذلك، فلا شيء يقدم على دين الله .

فابدأ من الآن إجراء هذه العملية الضرورية، عملية تطهير للأفكار، نريد جدية في الاهتمامات، إن بعضنا يكاد يقتل نفسه من كثرة التفكير، يفكر في وضعه بين الناس، كيف يفكر الناس فيه؟! ماذا يقول الناس عنه؟! ولعله لم يخطر للناس على بال، ولو شغل نفسه بحاله مع الله لكفاه، حينئذٍ عليك أن تردد في نفسه: ماذا أنت فاعل بي يا غفار الذنوب؟ وما اسمي عندك يا علام الغيوب؟

لا تهتم كثيرًا بالناس، فاصلح ما بينك وبين رب الناس؛ يكفك أمر الناس .

تجد بعضهم يقع في مشكلات نفسية وعندما تفتش عن الأسباب تجدها أمور تافهة، وهذا حال أهل البطالة سافلو الهمة، فإنَّ النفوس العلوية لا تنظر لمثل هذه السفاهات، وإلا أخلَّ ذلك بها، لكنه فراغ القلب من الله .

أما أهل الهمة العالية، والجادون في التزامهم فإنهم مشغولون بأمور أخرى، مشغول بحفظ القرآن، بالدعوة إلى الله، بكيفية إصلاح فساد قلبه، مشتاق لسجدة يقبلها الله منه، مشتاق لتسبيحة يشعر معها بحلاوة الإيمان، هذا شأن عباد الله الصالحين، فمن أي الفريقين أنت؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت