روى الجماعة عن أنس أن ناسًا من عكل قدموا على النبى صلي الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فاستوخموا المدينة فأمر النبى صلي الله عليه وسلم بِذَوْدِ وراعِ ، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحَرَّة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعى النبى صلي الله عليه وسلم واستاقوا الذود فبلغ ذلك النبى صلي الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم .
قال الشوكانى في السبيل الجرار (4/368) : وكون سبب نزولها في المشركين الذين أخذوا لقاح النبى صلي الله عليه وسلم لما شكوا إليه وباء المدينة لايدل على اختصاص هذا الحد بهم فإن الإعتبار بعموم اللفظ لابخصوص السبب .
قال القرطبى في تفسير الآية: قال مالك المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون ثائرة (هياج) ولاذحل (ثأر) ولاعداوة .
قال ابن المنذر اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر ونفى ذلك مرة ، وقالت طائفة حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة وهذا قول الشافعى وأبى ثور ، قال ابن المنذر: كذلك هو لأن كلًا يقع عليه اسم المحاربة والكتاب على العموم وليس لأحد أن يخرج من جمله الآية قومًا بغير حجة .أهـ.
قال النووى في روضة الطالبين (10/154) : تعتبر فيهم الشوكة والبعد عن الغوث وأن يكونوا مسلمين مكلفين فالكفار ليس لهم حكم قطاع الطريق .
قال ابن تيمية (الفتاوى 28/302) : قطاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة . قال الله تعالي { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ،ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا ، أو يصلبوا ،أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ،أو ينفوا من الأرض } ]المائدة33[ وقد روى الشافعى رحمه الله في مسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهم - في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض .
وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعى وأحمد وهو قريب من قول أبى حنيفة رحمه الله ومنهم من قال للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة وإن كان لم يقتل مثل أن يكون رئيسًا مطاعًا فيهم ، ويقطع من رأى قطعه مصلحة وإن لم يأخذ المال مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال ،كما أن منهم من يرى أنهم إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا، والأول قول الأكثر ، فمن كان من المحاربين قتل فإنه يقتله الإمام حدًا لايجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء .
ذكره ابن المنذر ، ولايكون أمره إلى ورثة المقتول . وقال: إذا كان المحاربون الحرامية جماعة ، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان وردء له فقد قيل يقتل المباشر فقط ، والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مئة ، وأن الردء والمباشر سواء وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين .والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين .
فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم ، وهكذا المقتتلين على عصبية ودعوى جاهلية كقيس ويمن ونحوها وهما ظالمتان كما قال النبى صلي الله عليه وسلم"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال إنه أراد قتل صاحبه"أخرجاه في الصحيحين وتضمن كل طائفة ماأتلفته للأخرى من نفس ومال وإن لم يعرف عين القاتل ، لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها كالشخص الواحد ، وفى ذلك قوله - سبحانه وتعالى -: { كتب عليكم القصاص في القتلى } ]البقرة178[ .أهـ.بإختصار .
قال الشيخ خليل بن اسحق في مختصره (331) : المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك أو آخذ مال مسلم أو غيره على وجه يتعذر معه الغوث وإن انفرد بمدينة كمسقى السيكران لذلك ومخادع الصبى أو غيره ليأخذ ما معه والداخل في ليل أو نهار في زقاق أو دار قَاتَل ليأخذ المال فيقاتل بعد المناشدة إن أمكن .
قال الدردير في الشرح الكبير: على قوله (على وجه يتعذر معه الغوث) فإن كان من شأنه عدم تعذره فغير محارب بل غاصب ولو سلطانًا فيشمل مسألة سقى السيكران ومخادعة الصبى أو غيره ليأخذ ما معه وجبابرة أمراء مصر ونحوهم يسلبون أموال المسلمين ويمنعونهم أرزاقهم ويغيرون على بلادهم ولاتتيسر استغاثة منهم بعلماء ولاغيرهم .