أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) بل إنه عز وجل ذم الذين تخالف أفعالهم أقوالهم في قوله (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) تلك هي الشروط التي يجب أن تتوافر في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ., ويؤكد الدكتور صالح السدلان على أنه ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على جانب من الدين والخلق والصفات الجميلة والأفعال الحميدة، وأن يكون بعيدا عن التشدد والتكلف وينبغي أن يتصف بما يأمر به بعيدا عما ينهى عنه. وهنا قضية مهمة وهي هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يختص بفئة معينة أم أنه متاح للجميع، وما هي حدود الإنكار وكيفيته. الدكتور صالح السدلان يحدثنا عن ذلك فيقول: إن كل مسلم مخاطب بالأمر والمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما دل عليه قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ...) وقال فيه صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) . إذن فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة كل مسلم ومسلمة، ولولاها لضاع الدين، وبها استحقت أمة محمد أن تكون خير أمة أخرجت للنا س ويشترك فيها الناس كل بحسب قدرته. ويرى الدكتور السدلان أنه إذا رغب بعض الشباب في المساهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمسوا لذلك، فأرى أنه ينبغي تحقيق مطلبهم هذا، وتمكينهم منه، ولكن تحت ضوابط وشروط، وتحت قيادة ذات خبرة ومعرفة في هذا المجال، وثبت استفادتهم منه وعدم اندفاعهم وتحمسهم على وجه يترتب عليه مضار ومفاسد تشوه وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويفصل الدكتور الدريعي مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيقول: إن على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يستحضر في ذهنه تلك الدرجات التي بينها الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الباب، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكر فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) فالدرجة الأولى هي مهمة الولاة والمسؤولين أي الإمام ومن ينوب عنه في هذا الباب، وقضية التغيير باليد يسبقها الإعلام والتوجيه والتوعية إذ لا يؤخذ الناس على غرر وعلى جهل، ولا بد من دراسة سبب المنكر ثم معالجته بالتوجيه والنصيحة أولا، ثم بالعفو ثانيا إلا في ما لا يعذر فيه كسرقة مثلا أو زنا أو شرب خمر وغير ذلك من المنكرات المعروفة من الدين بالضرورة، فهذه عندما يقارفها في بلد إسلامي يطبق عليه الحد وهذا شأن ولاة الأمر. أما الدرجة الثانية: فهي للعلماء وطلبة العلم والدعاة والعارفين بالأحكام الشرعية، فهؤلاء لهم الحق أن يبينوا حكم الله ولكن بالأساليب المرغبة، كل على قدر عقله وفهمه، فإذا خاطبنا عالمًا بدين من الأديان لا يكون وزنه كالجاهل، ولعل قصة معاذ رضي الله عنه عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له: إنك ستأتي قوما أهل كتاب، يعني تهيأ لهم بالإجابة عن تساؤلاتهم ومناقشاتهم، فهم سيناقشونك عن علم بالكتاب، فإذا لم تكن مؤهلا فلا يجوز لك أن تدخل معهم في حوار، ولذا قال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) وهذه المرحلة هي مهمة أناس معينين، وليست مهمة الغوغائيين ولا الجاهلين ولا العابثين أو منتهزي الفرص، إذ قد يدخل في هذا الباب بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من له أغراض سيئة في المجتمع، يريد إثارة الشبهات أو تفكيك الأمة وتمزيقها من الداخل، أو التحريش بين الناس وإثارة العصبيات والمذهبيات، أو من ليس لديه القدرة على بيان الحقيقة فيسيء إلى الدين أكثر مما يحسن. أما المرحلة الأخيرة فهي الإنكار بالقلب وهذا لكل مسلم ومسلمة، فإن لم تكن مسؤولا تنفيذيا أو عالما شرعيا وترى أن هذا حرام بحكم فطرتك السليمة وبحكم ما تسمعه من الموجهين والمعلمين فموقفك هنا موقف المتألم قلبيا، والقصد منه هو اعتقاد حرمة هذا الحرام واعتقاد عدم مشروعيته، فإن رأيت ارتكابا للممنوع ضاق صدرك وتألمت وظهرت علامات الإنكار عليك فهذا من دلائل الإيمان. وهذه الدرجات الثلاث تجعل الأمة كلها مشتركة في هذا الباب لكن كل عل قدرته، وتعالى الله القائل (فاتقوا الله ما استطعتم) أما عمل اليد فهو ليس عمل كل واحد منا فعملية الإتلاف أو عملية الأذى - إن صحت تسميتها بهذا الاسم - لا تتأتى إلا ممن وضعت بيده هذه المسؤولية، وهؤلاء لهم حق الإتلاف أو الضرب أو التأنيب. أما عامة الناس وطلبة العلم فليس من حقهم أن يسارعوا لإتلاف شيء لم يؤذن لهم فيه من قبل السلطة القائمة على أمر الدين، وقد يحدث بهذا شر وفتنة، ونحن في غنى عن ذلك بل يطلب من الجهة المختصة أن